الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مثل أمتى مثل المطر

مثل أمتى مثل المطر

مثل أمتى مثل المطر

جاء في نصوص الكتاب والسنة ما يدل على أن هذه الامة أكمل الأمم وخير أمة أخرجت للناس، ونبيها خاتم النبيين لا نبي بعده، فجعل الله العلماء فيها كلما هلك عالم خلفه عالم، لئلا تطمس معالم الدين وتخفى أعلامه، وكانت القرون الثلاث الأولى هي خير القرون كما في الحديث (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) متفق عليه.

فهذه الأمة لا ينقطع الخير منها أبداً، فلها دوام الخيرية، فخير الناس على الاطلاق هم قرن الصحابة لما امتازوا به من مزايا لا توجد في غيرهم، وذلك لأنهم شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوه وآمنوا به، فهم أفضل ممن آمن به ولم يره، وجاهدوا معه وناصروه، ودافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم وهاجروا معه، ثم هم الذين تلقوا القرآن وتلقوا السنة، وتلقوا هذا الدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بلغوه لمن بعدهم بأمانة وإخلاص.
ومع هذه الخيرية التي امتاز بها قرن الصحابة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الخير في هذه الأمة مستمر وباق إلى يوم القيامة، وقد شبَّهه بالمطر الذي ينزل في كل وقت وزمان، ولا يدرى أوله خير أم آخره.
فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره ؟ ) رواه الترمذي.
فدل هذا الحديث في العموم على دوام خير هذه الأمة إلى قيام الساعة، وفيه شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم نفعهم في الدين بنفع المطر في الزرع.
واختلف أهل العلم في المراد بهذا التشبيه الذي ظاهره التردد في الخيرية بين السابقين والمتأخرين.
فذهب ابن عبد البر رحمه الله إلى ظاهره فقال: لا يمتنع أن يكون في آخر الأمة من يفضل على بعض الصحابة رضي الله عنهم، وذهب آخرون إلى أنه ليس معناه التردد في فضل القرن الأول على الآخر، فإن القرن الأول هم المفضلون على سائر القرون بلا خلاف، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وبيان شبههم بالمطر أن المطر ينبت الزرع في الأول، وينميه في الثاني، ولا يدرى أن نفعه في الأول أكثر أم في الثاني، وكذا القرن الأول مهدوا قواعد الشريعة وأساسها، والقرن الثاني حفظوها وعمروها وعملوا بمضمونها إلى قيام الساعة، فلا يدرى أن نفع القرن الأول في تمهيد أصل الشريعة أكثر أم نفع القرن الثاني في حفظها، والعمل بها، بل النفع موجود في كليهما من حيث إن أصل النفع في القرنين مشترك وهو دوام توفيقهما للعمل بمقتضى الشرع.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه يكون في آخر الأمة من يقارب أولها حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير، كما يشتبه على بعض الناس طرفا الثوب مع القطع بأن الأول خير من الآخر ولهذا قال : لا يدرى.
والمقصود أن هذا الحديث يحمل في ثناياه بشرى لأهل الايمان بأن الخير باق في هذه الأمة ما دامت السموات والأرض، وأن على المسلم أن يسعى لحمل هذا الخير ونشره بين أهله، حتى ينتفع به الناس كما تنتفع الأرض بماء المطر.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة