الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أصبحت سجين الخوف من كل شيء، فهل من حل لحالتي؟

السؤال

السلام عليكم.

أعاني من الخوف من السفر، ومن الضياع، ومن الأماكن البعيدة، ومن قيادة السيارة بمفردي، كما أخاف من المسؤولية، ومن المجهول، ومن الجلوس مع الناس، فأنا أحب أن أكون بمفردي، وأخاف أيضًا من العمل، أو إذا أخبرني أحد ما بأني حصلت على عمل، فإنه تنتابني نوبة هلع، وانكماش بقلبي.

أرجوكم ما هو تشخيص حالتي؟ لأنني أصبحت أشعر بأني سجين من السجناء.

جعل الله الجنة دارك.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سالم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في إسلام ويب.

توجد عدة أنواع من المخاوف، والمخاوف قد تبدأ في وقت مبكر؛ فمثلاً الأطفال قد يخافون من الظلام، أو من الحشرات، والمخاوف قد تشتد أيضًا في فترة اليفاعة والبلوغ عند بعض الناس، ثم تختفي بعد ذلك، وقد تظهر في مرحلة عمرية لاحقة، والمخاوف هي تفاعل وجداني يتعلق بشعور الإنسان، ومعظمها ليست إراديةً؛ أي أنها ليست تحت الإرادة.

والخوف أو الشعور بالمخاوف متعددة في مثل حالتك، ولا يعني أبدًا بأنه ضعف في شخصيتك، أو ضعف في إيمانك، أبدًا؛ لأن هذه المخاوف غالبًا ناتجة من تجارب سلبية سابقة، وتجارب قد تكون حدثت لك في فترة الطفولة مثلاً، وعلى ضوء ذلك نعتبر المخاوف أمرًا مكتسبًا؛ فهي سلوك نفسي مكتسب، لذا أهم خطوات العلاج هو ما يسمونه (بالعلاج السلوكي)، وهو أن تواجه هذه المخاوف، وتعرض نفسك لمصدرها؛ لأن التجنب يمثل ركيزةً أساسيةً لانتكاس المخاوف.

وأنا أؤكد لك أن ما تشعر به عند المواجهة، أو قيادة السيارة مثلاً، والشعور بالكتمة، أو الضيقة، أو تسارع ضربات القلب، والشعور بخفة الرأس، وهنالك من يأتيهم شعور بقرب الموت، هذه كلها حالات نشاهدها، وأنت لديك مخاوف متعددة، وهذا لا يعني أن كمية المرض لديك كبيرة، لا، هي مجرد مسميات، وتكون متداخلةً مع بعضها البعض.

كما أنك -أيها الفاضل الكريم- لست بسجين، وأتفق معك أنه يجب أن تحرر نفسك من خلال تحقير هذه الأفكار، وعليك بالمواجهة، والمواجهة تنقسم إلى نوعين: ما نسميه (بالمواجهة في الخيال)، ثم يأتي بعد ذلك (المواجهات في الواقع).

فمثلاً خوفك من الجلوس مع الناس، يجب أن لا تأخذ هذه الفكرة كأحد المسلمات، لا، المسلم به هو أن الإنسان اجتماعي، والإنسان لا بد أن يلتقي بالآخرين من أسرته، أو من خارج أسرته، وهكذا، فلا بد أن تجري نوعًا من الحوارات مع نفسك وذاتك، وأن تقنعها بأن هذا الخوف أصلاً لا مبرر له أبدًا.

وكما نقول دائمًا: عملية المواجهة ضرورية، والإنسان لا بد أن يتجه نحو مصدر خوفه، فلا تقل: أخاف من الجلوس مع الناس، لا، بل اجلس مع الناس، واجبر خواطرهم، ولب دعواتهم؛ فهذا كله مهم كمفهوم علاجي أساسي.

ولا بد أن تضع برامج دقيقة لهذه المواجهة، والأمر يمكن أن تطبقه لوحدك، وهو أن تحقر فكرة الخوف، وأن تواجه مصدر الخوف دون أن تهرب من الواقع أو المكان الذي أنت فيه، هذا ببساطة.

ولتدعيم إزالة الخوف أيًا كان نوعه، أقول لك:
من الضروري جدًا أن تحسن إدارة وقتك، وأن تتجنب الفراغ، وأن تلتزم بالواجبات الاجتماعية، وأن لا تتخلف عن أي مناسبة تدعى لها أو حتى المناسبات التي لا تدعى لها؛ فإن سمعت أن شخصًا عزيزًا عليك لديه مناسبة، كعرس مثلاً، فلماذا لا تذهب؟ فهذا أمر جيد وإيجابي جدًا.

أخي الكريم: لا تصبح سجينًا بين السجناء في بيتك أبدًا، أنت لست بأقل من الآخرين؛ والله تعالى حباك بكل المميزات الإيجابية، فيجب أن تستغلها.

بالتدرج اخرج من المنزل، فمثلاً يجب أن لا تفوتك صلاة مع الجماعة في المسجد، وهذا نوع من العلاج الضروري جدًا، ولك -إن شاء الله تعالى- الأجر العظيم في هذا السياق، ومثلاً حين تسمع بشخص مريض؛ فإنك لا بد أن تذهب وتزوره، أو شخص سيتزوج لا بد أن تذهب إليه، وتهنئه على ذلك، وهكذا.

إذاً الإيجابية في المشاعر، والإيجابية في الأفكار، والإيجابية في الأفعال، هي المتطلبات الرئيسية لينطلق الإنسان بصحته النفسية إلى رحاب أوسع، وأوثق، وأفيد، فاجعل هذا منهجك.

كما أن ممارسة تمارين الاسترخاء، وخاصةً تمارين التنفس المتدرجة، مهمة جدًا، وتوجد أيضًا تمارين لقبض العضلات، وشدها، ثم استرخائها، ويمكنك أن تطبق هذه التمارين لوحدك، وذلك من خلال الرجوع إلى أحد البرامج الموجودة على اليوتيوب، والتي توضح كيفية ممارسة هذه التمارين.

أخيرًا: البشرى التي أود أن أنقلها لك هو أنه توجد أدوية ممتازة جدًا لعلاج كل أنواع هذه المخاوف التي ذكرتها، والدواء الأفضل هو العقار الذي يسمى (السيرترالين) هذا هو اسمه العلمي، ويسمى تجاريًا (اللسترال أو الزوالفت)، وربما تجده في بلادكم تحت مسمى تجاري آخر، وذلك حسب الشركة المصنعة، والمنتجة.

الدواء الذي أحبذه في حالتك يعرف باسم (السيرترالين)، وجرعته هي أن تبدأ بنصف حبة -أي 25 ملغ- يوميًا، لمدة 10 أيام، ثم اجعل الجرعة 50 ملغ يوميًا لمدة شهر، ثم ارفعها إلى 100 ملغ -أي حبتين- يوميًا، لمدة ثلاثة أشهر، ثم خفض الجرعة إلى حبة واحدة يوميًا لمدة شهرين، ثم نصف حبة يوميًا لمدة شهر، ثم نصف حبة يومًا بعد يوم لمدة أسبوعين، ثم تتوقف عن تناول (السيرترالين).

هو دواء رائع جدًا، وسليم جدًا، ولا يسبب الإدمان، وليس له آثار جانبية، غير أنه ربما يفتح الشهية نحو الطعام قليلاً، وربما تحس بشيء من الشراهة نحو الحلويات، فإن حدث لك شيء من هذا، فإنه يمكنك التحكم فيه؛ لأنه تحت الإرادة، فكثف التمارين الاسترخائية؛ حتى لا يزيد وزنك.

هذه هي النصائح التي أود أن أوجهها لك، فاخرج، وحرر نفسك، ولن يحدث لك أي شيء -إن شاء الله-، وحياتك كلها ستكون طيبً ومباركةً.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً