وقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وامسحوا برءوسكم قال
nindex.php?page=showalam&ids=11943أبو بكر : اختلف الفقهاء في
nindex.php?page=treesubj&link=69_54_56المفروض من مسح الرأس ، فروي عن أصحابنا فيه روايتان : إحداهما : ربع الرأس ، والأخرى : مقدار ثلاثة أصابع ، ويبدأ بمقدم الرأس . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14117الحسن بن صالح : ( يبدأ بمؤخر الرأس ) . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=13760الأوزاعي nindex.php?page=showalam&ids=15124والليث : ( يمسح مقدم الرأس ) . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=16867مالك : ( الفرض مسح جميع الرأس وإن ترك القليل منه جاز ) . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي : ( الفرض مسح بعض رأسه ) . ولم يحد شيئا . وقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وامسحوا برءوسكم يقتضي مسح بعضه وذلك لأنه معلوم أن هذه الأدوات موضوعة لإفادة المعاني ، فمتى أمكننا استعمالها على فوائد مضمنة بها وجب استعمالها على ذلك ، وإن كان قد يجوز دخولها في بعض المواضع صلة للكلام وتكون ملغاة ، نحو ( من ) هي مستعملة على معان منها التبعيض ، ثم قد تدخل في الكلام وتكون
[ ص: 345 ] ملغاة وجودها وعدمها سواء . ومتى أمكننا استعمالها على وجه الفائدة وما هي موضوعة له لم يجز لنا إلغاؤها ، فقلنا من أجل ذلك إن الباء للتبعيض وإن جاز وجودها في الكلام على أنها ملغاة . ويدل على أنها للتبعيض أنك إذا قلت : ( مسحت يدي بالحائط ) كان معقولا مسحها ببعضه دون جميعه ، ولو قلت : ( مسحت الحائط ) كان المعقول مسحه جميعه دون بعضه ، فقد وضح الفرق بين إدخال الباء وبين إسقاطها في العرف واللغة ؛ فوجب ؛ إذ كان ذلك كذلك أن نحمل قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وامسحوا برءوسكم على البعض حتى نكون قد وفينا الحرف حظه من الفائدة وأن لا نسقطه فتكون ملغاة يستوي دخولها وعدمها . والباء وإن كانت تدخل للإلصاق كقولك : ( كتبت بالقلم ) و ( مررت بزيد ) فإن دخولها للإلصاق لا ينافي كونها مع ذلك للتبعيض فنستعمل الأمرين فيكون مستعملا للإلصاق في البعض المفروض طهارته . ويدل على أنها للتبعيض ما روى
عمر بن علي بن مقدم عن
إسماعيل بن حماد عن أبيه
nindex.php?page=showalam&ids=15741حماد عن
إبراهيم في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وامسحوا برءوسكم قال : إذا مسح ببعض الرأس أجزأه ، قال : ولو كانت ( امسحوا رءوسكم ) كان مسح الرأس كله . فأخبر
إبراهيم أن الباء للتبعيض وقد كان من أهل اللغة مقبول القول فيها . ويدل على أنه قد أريد بها التبعيض في الآية اتفاق الجميع على جواز
nindex.php?page=treesubj&link=56ترك القليل من الرأس في المسح والاقتصار على البعض ، وهذا هو استعمال اللفظ على التبعيض ، وقول مخالفنا بإيجاب مسح الأكثر لا يعصمه من أن يكون مستعملا للفظ على التبعيض ، إلا أنه زعم أن ذلك البعض ينبغي أن يكون المقدار الذي ادعاه ، وإذا ثبت أن المراد البعض باتفاق الجميع احتاج إلى دلالة في إثبات المقدار الذي حده .
فإن قيل : لو كانت الباء للتبعيض لما جاز أن تقول : ( مسحت برأسي كله ) كما لا تقول : ( مسحت ببعض رأسي كله ) . قيل له : قد بينا أن حقيقتها ومقتضاها إذا أطلقت التبعيض مع احتمال كونها ملغاة ، فإذا قال : ( مسحت برأسي كله ) علمنا أنه أراد أن تكون الباء ملغاة ، وإذا لم يقل ذلك فهي محمولة على حقيقتها ، كما أن ( من ) حقيقتها التبعيض وقد توجد صلة للكلام فتكون ملغاة في نحو قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=59ما لكم من إله غيره و
nindex.php?page=tafseer&surano=46&ayano=31يغفر لكم من ذنوبكم ولا يجب من أجل ذلك أن نجعلها ملغاة في كل موضع إلا بدلالة . وقد روي نحو قولنا في جواز مسح بعض الرأس عن جماعة من
السلف ، منهم
nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر ، روى عنه
nindex.php?page=showalam&ids=17191نافع أنه مسح مقدم رأسه ؛ وعن
nindex.php?page=showalam&ids=25عائشة مثل ذلك . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14577الشعبي : ( أي جانب رأسك مسحت أجزأك ) وكذلك قال
[ ص: 346 ] إبراهيم . ويدل على صحة قول القائلين بفرض البعض ما حدثنا
أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي قال : حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=12352إبراهيم الحربي قال : حدثنا
محمد بن الصباح قال : حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=17249هشيم قال : حدثنا
يونس عن
nindex.php?page=showalam&ids=16972ابن سيرين قال : أخبرني
عمرو بن وهب قال : سمعت
nindex.php?page=showalam&ids=19المغيرة بن شعبة يقول : خصلتان لا أسأل عنهما أحدا بعدما شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم
nindex.php?page=hadith&LINKID=666369إنا كنا معه في سفر ، فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته وجانبي عمامته .
وروى
nindex.php?page=showalam&ids=16030سليمان التيمي عن
بكر بن عبد الله المزني عن
ابن المغيرة عن أبيه :
nindex.php?page=hadith&LINKID=104648أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ومسح على ناصيته ووضع يده على العمامة أو مسح على العمامة . وحدثنا
عبيد الله بن الحسين قال : حدثنا
محمد بن سليمان الحضرمي قال : حدثنا
كردوس بن أبي عبد الله قال : حدثنا
المعلى بن عبد الرحمن قال : حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=16318عبد الحميد بن جعفر عن
nindex.php?page=showalam&ids=16568عطاء عن
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=98677توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه مسحة واحدة بين ناصيته وقرنه فثبت بما ذكرنا من ظاهر الكتاب والسنة أن المفروض مسح بعض الرأس .
فإن قيل : يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما اقتصر على مسح الناصية لضرورة ، أو كان وضوء من لم يحدث . قيل له : إنه لو كان هناك ضرورة لنقلت كما نقل غيره ، وأما كونه وضوء من لم يحدث فإنه تأويل ساقط ؛ لأن في حديث
nindex.php?page=showalam&ids=19المغيرة بن شعبة :
nindex.php?page=hadith&LINKID=911347أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم توضأ ومسح على ناصيته ولو ساغ هذا التأويل في مسح الناصية لساغ في المسح على الخفين حتى يقال : إنه مسح لضرورة أو كان وضوء من لم يحدث .
واحتج من قال بمسح الجميع بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=hadith&LINKID=676897أنه مسح مقدم رأسه ومؤخره قال : فلو كان المفروض بعضه لما مسح النبي صلى الله عليه وسلم جميعه ، ولوجب أن يكون من مسح جميع رأسه متعديا ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
nindex.php?page=hadith&LINKID=62902أنه توضأ ثلاثا ثلاثا وقال : من زاد فقد اعتدى وظلم . فيقال له : لا يمتنع أن يكون المفروض البعض والمسنون الجميع ، كما أن المفروض في الأعضاء المغسولة مرة والمسنون ثلاث ، فلا يكون الزائد على المفروض متعديا ؛ إذ أصاب السنة ، وكما أن
nindex.php?page=treesubj&link=24988المفروض من المسح على الخفين هو بعض ظاهرهما ولو مسح ظاهرهما وباطنهما لم يكن متعديا ، وكما أن فرض القراءة على قولنا آية وعلى قول مخالفينا فاتحة الكتاب ، والمسنون عند الجميع قراءة فاتحة الكتاب وشيء معها .
والمفروض من غسل الوجه ظاهره والمسنون غسل ذلك والمضمضة والاستنشاق ، والمفروض مسح
[ ص: 347 ] الرأس والمسنون مسح الأذنين معه ؛ وكما يقول مخالفنا : إن
nindex.php?page=treesubj&link=56_69_54المفروض من مسح الرأس هو الأكثر وإن ترك القليل جائز ولو مسح الجميع لم يكن متعديا بل كان مصيبا ، كذلك نقول : إن المفروض مسح البعض والمسنون مسح الجميع . وإنما قال أصحابنا : إن المفروض مقدار ثلاثة أصابع في إحدى الروايتين وهي رواية الأصل ، وفي رواية
nindex.php?page=showalam&ids=14111الحسن بن زياد : الربع ؛ فإن وجه تقدير ثلاث أصابع أنه لما ثبت أن المفروض مسح البعض بما قدمنا وكان ذلك البعض غير مذكور المقدار في الآية احتجنا فيه إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على ناصيته كان فعله ذلك واردا مورد البيان .
وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب كفعله لأعداد ركعات الصلاة وأفعالها ، فقدروا الناصية بثلاث أصابع ؛ وقد روي عن
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس أنه مسح بين ناصيته وقرنه .
فإن قيل : فقد روي أنه مسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر فينبغي أن يكون ذلك واجبا . قيل له : معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك المفروض .
وجائز أن يفعل غير المفروض على أنه مسنون ، فلما روي عنه الاقتصار على مقدار الناصية في حال وروي عنه استيعاب الرأس في أخرى استعملنا الخبرين وجعلنا المفروض مقدار الناصية ؛ إذ لم يرو عنه أنه مسح أقل منها وما زاد عليها فهو مسنون . وأيضا لو كان المفروض أقل من مقدار الناصية لاقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في حال بيانا للمقدار المفروض كما اقتصر على مسح الناصية في بعض الأحوال ، فلما لم يثبت عنه أقل من ذلك دل على أنه هو المفروض .
فإن قيل : لو كان فعله ذلك على وجه البيان لوجب أن يكون المفروض موضع الناصية دون غيره من الرأس كما جعلتها بيانا للمقدار ولم تجز أقل منها ، فلما جاز عند الجميع من القائلين بجواز مسح بعض الرأس ترك مسح الناصية إلى غيرها من الرأس دل ذلك على أن فعله ذلك غير موجب للاقتصار على مقدار . قيل له : قد كان ظاهر فعله يقتضي ذلك لولا قيام الدلالة على أن مسح غير الناصية من الرأس يقوم مقام الناصية ، فلم يوجب تعيين الفرض فيها وبقي حكم فعله في المقدار على ما اقتضاه ظاهر بيانه بفعله .
فإن قيل : لما كان قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وامسحوا برءوسكم مقتضيا مسح بعضه ، فأي بعض مسحه منه وجب أن يجزيه بحكم الظاهر . قيل له : إذا كان ذلك البعض مجهولا صار مجملا ولم يخرجه ما ذكرت من حكم الإجمال ، ألا ترى أن قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=103خذ من أموالهم صدقة وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=43وآتوا الزكاة وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=34يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله [ ص: 348 ] كلها مجملة لجهالة مقاديرها في حال ورودها ، وأنه غير جائز لأحد اعتبار ما يقع عليه الاسم منها ؟ فكذلك قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6برءوسكم وإن اقتضى البعض فإن ذلك البعض لما كان مجهولا عندنا وجب أن يكون مجملا موقوف الحكم على البيان .
فما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل فيه فهو بيان مراد الله به . ودليل آخر : وهو أن سائر أعضاء الوضوء لما كان المفروض منها مقدرا وجب أن يكون كذلك حكم مسح الرأس لأنه من أعضاء الوضوء ؛ وهذا يحتج به على
nindex.php?page=showalam&ids=16867مالك nindex.php?page=showalam&ids=13790والشافعي جميعا ؛ لأن
nindex.php?page=showalam&ids=16867مالكا يوجب مسح الأكثر ويجيز ترك القليل منه فيحصل المفروض مجهول المقدار ،
nindex.php?page=showalam&ids=13790والشافعي يقول : ( كل ما وقع عليه اسم المسح جاز ) وذلك مجهول القدر ، وما قلنا من مقدار ثلاثة أصابع فهو معلوم ؛ وكذلك الربع في الرواية الأخرى فهو موافق لحكم أعضاء الوضوء من كون المفروض منها معلوم القدر .
وقول مخالفينا على خلاف المفروض من أعضاء الوضوء ؛ ويجوز أن نجعل ذلك ابتداء دليلا في المسألة من غير اعتبار له بمقدار الناصية ، وذلك بأن نقول : لما وجب أن يكون المفروض في مقدار المسح مقدرا اعتبارا بسائر أعضاء الوضوء ثم لم يقدره أحد بغير ما ذكرنا من مقدار ثلاثة أصابع أو مقدار ربع الرأس ، وجب أن يكون هذا هو المفروض من المقدار . فإن قيل : ما أنكرت أن يكون مقدرا بثلاث شعرات ؟ قيل له : هذا محال ؛ لأن مقدار ثلاث شعرات لا يمكن المسح عليه دون غيره ، وغير جائز أن يكون المفروض ما لا يمكن الاقتصار عليه ؛ وأيضا فهو قياس على المسح على الخفين لما كان مقدرا بالأصابع ، وبه وردت السنة وهو مسح بالماء ، وجب أن يكون مسح الرأس مثله . وأما وجه رواية من روى الربع ، فهو أنه لما ثبت أن المفروض البعض وأن مسح شعرة لا يجزي وجب اعتبار المقدار الذي يتناوله الاسم عند الإطلاق إذا أجري على الشخص وهو الربع ؛ لأنك تقول : ( رأيت فلانا ) والذي يليك منه الربع ، فيطلق عليه الاسم ؛ فلذلك اعتبروا الربع واعتبروا أيضا في حلق الرأس الربع لا خلاف بينهم فيه أنه يحل به المحرم إذا حلقه ، ولا يحل عند أصحابنا بأقل منه ؛ فلذلك يوجبون به دما إذا حلقه في الإحرام .
واختلف الفقهاء في
nindex.php?page=treesubj&link=56مسح الرأس بأصبع واحدة ، فقال
nindex.php?page=showalam&ids=11990أبو حنيفة nindex.php?page=showalam&ids=14954وأبو يوسف nindex.php?page=showalam&ids=16908ومحمد : " لا يجوز مسحه بأقل من ثلاث أصابع ، وإن مسحه بأصبع أو أصبعين ومدها حتى يكون الممسوح مقدار ثلاثة أصابع لم يجز " . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=16004الثوري nindex.php?page=showalam&ids=15922وزفر nindex.php?page=showalam&ids=13790والشافعي : ( يجزيه ) إلا أن
nindex.php?page=showalam&ids=15922زفر يعتبر الربع ، والأصل في ذلك أنه لا يجزي في
[ ص: 349 ] مفروض المسح نقل الماء من موضع إلى موضع وذلك لأن المقصد فيه إمساس الماء الموضع لا إجراؤه عليه ، فإذا وضع أصبعا فقد حصل ذلك الماء ممسوحا به ، فغير جائز مسح موضع غيره به ، وليس كذلك الأعضاء المغسولة لأنه لو مسحها بالماء ولم يجره عليها لم يجزه ، فلا يحصل معنى الغسل إلا بجريان الماء على العضو وانتقاله من موضع إلى موضع ، فلذلك لم يكن مستعملا بحصوله من موضع وانتقاله إلى غيره من ذلك العضو . وأما المسح فلو اقتصر فيه على إمساس الماء الموضع من غير جري لجاز ، فلما استغنى عن إجرائه على العضو في صحة أداء الفرض لم يجز نقله إلى غيره .
فإن قيل : فلو صب على رأسه ماء وجرى عليه حتى استوفى منه مقدار ثلاثة أصابع أجزى عن المسح مع انتقاله من موضع إلى غيره ، فهلا أجزته أيضا إذا مسح بأصبع واحدة ونقله إلى غيره قيل له : من قبل أن صب الماء غسل وليس بمسح ، والغسل يجوز نقل الماء فيه من موضع إلى غيره ؛ وأما إذا وضع أصبعه عليه فهذا مسح فلا يجوز أن يمسح بها موضعا غيره . وأيضا فإن الماء الذي يجرى عليه بالصب والغسل يتسع للمقدار المفروض كله ، وما على أصبع واحدة من الماء لا يتسع للمقدار المفروض ، وإنما يكفي لمقدار الأصبع ، فإذا جره إلى غيره فإنما نقل إليه ماء مستعملا في غيره ، فلا يجوز له ذلك .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=11943أَبُو بَكْرٍ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي
nindex.php?page=treesubj&link=69_54_56الْمَفْرُوضِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : رُبُعُ الرَّأْسِ ، وَالْأُخْرَى : مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ ، وَيَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14117الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : ( يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ) . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=13760الْأَوْزَاعِيُّ nindex.php?page=showalam&ids=15124وَاللَّيْثُ : ( يَمْسَحُ مُقَدَّمَ الرَّأْسِ ) . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=16867مَالِكٌ : ( الْفَرْضُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَإِنْ تَرَكَ الْقَلِيلَ مِنْهُ جَازَ ) . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=13790الشَّافِعِيُّ : ( الْفَرْضُ مَسْحُ بَعْضِ رَأْسِهِ ) . وَلَمْ يَحُدَّ شَيْئًا . وَقَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ يَقْتَضِي مَسْحَ بَعْضِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ مَوْضُوعَةٌ لِإِفَادَةِ الْمَعَانِي ، فَمَتَى أَمْكَنَنَا اسْتِعْمَالُهَا عَلَى فَوَائِدَ مُضَمَّنَةٍ بِهَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجُوزُ دُخُولُهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ صِلَةً لِلْكَلَامِ وَتَكُونُ مُلْغَاةً ، نَحْوَ ( مِنْ ) هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا التَّبْعِيضُ ، ثُمَّ قَدْ تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ وَتَكُونُ
[ ص: 345 ] مُلْغَاةً وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ . وَمَتَى أَمْكَنَنَا اسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهِ الْفَائِدَةِ وَمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ لَمْ يَجُزْ لَنَا إِلْغَاؤُهَا ، فَقُلْنَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إِنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ وَإِنْ جَازَ وُجُودُهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهَا مُلْغَاةٌ . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ : ( مَسَحْتُ يَدِي بِالْحَائِطِ ) كَانَ مَعْقُولًا مَسْحُهَا بِبَعْضِهِ دُونَ جَمِيعِهِ ، وَلَوْ قُلْتَ : ( مَسَحْتُ الْحَائِطَ ) كَانَ الْمَعْقُولُ مَسْحَهُ جَمِيعَهُ دُونَ بَعْضِهِ ، فَقَدْ وَضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَ إِدْخَالِ الْبَاءِ وَبَيْنَ إِسْقَاطِهَا فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ ؛ فَوَجَبَ ؛ إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنْ نَحْمِلَ قَوْلَهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ عَلَى الْبَعْضِ حَتَّى نَكُونَ قَدْ وَفَّيْنَا الْحَرْفَ حَظَّهُ مِنَ الْفَائِدَةِ وَأَنْ لَا نُسْقِطَهُ فَتَكُونَ مُلْغَاةً يَسْتَوِي دُخُولُهَا وَعَدَمُهَا . وَالْبَاءُ وَإِنْ كَانَتْ تَدْخُلُ لِلْإِلْصَاقِ كَقَوْلِكَ : ( كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ ) وَ ( مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ) فَإِنَّ دُخُولَهَا لِلْإِلْصَاقِ لَا يُنَافِي كَوْنَهَا مَعَ ذَلِكَ لِلتَّبْعِيضِ فَنَسْتَعْمِلُ الْأَمْرَيْنِ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا لِلْإِلْصَاقِ فِي الْبَعْضِ الْمَفْرُوضِ طَهَارَتُهُ . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ مَا رَوَى
عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدِّمٍ عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِيهِ
nindex.php?page=showalam&ids=15741حَمَّادٍ عَنْ
إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ قَالَ : إِذَا مَسَحَ بِبَعْضِ الرَّأْسِ أَجْزَأَهُ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ ( امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ ) كَانَ مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ . فَأَخْبَرَ
إِبْرَاهِيمُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ وَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِيهَا . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهَا التَّبْعِيضُ فِي الْآيَةِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ
nindex.php?page=treesubj&link=56تَرْكِ الْقَلِيلِ مِنَ الرَّأْسِ فِي الْمَسْحِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ ، وَهَذَا هُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ عَلَى التَّبْعِيضِ ، وَقَوْلُ مُخَالِفِنَا بِإِيجَابِ مَسْحِ الْأَكْثَرِ لَا يَعْصِمُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ عَلَى التَّبْعِيضِ ، إِلَّا أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمِقْدَارَ الَّذِي ادَّعَاهُ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ الْبَعْضُ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ احْتَاجَ إِلَى دَلَالَةٍ فِي إِثْبَاتِ الْمِقْدَارِ الَّذِي حَدَّهُ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَتِ الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ لَمَا جَازَ أَنْ تَقُولَ : ( مَسَحْتُ بِرَأْسِي كُلِّهِ ) كَمَا لَا تَقُولُ : ( مَسَحْتُ بِبَعْضِ رَأْسِي كُلِّهِ ) . قِيلَ لَهُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقِيقَتَهَا وَمُقْتَضَاهَا إِذَا أُطْلِقَتِ التَّبْعِيضُ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهَا مُلْغَاةً ، فَإِذَا قَالَ : ( مَسَحْتُ بِرَأْسِي كُلِّهِ ) عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُلْغَاةً ، وَإِذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَقِيقَتِهَا ، كَمَا أَنَّ ( مِنْ ) حَقِيقَتُهَا التَّبْعِيضُ وَقَدْ تُوجَدُ صِلَةً لِلْكَلَامِ فَتَكُونُ مُلْغَاةً فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=59مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَ
nindex.php?page=tafseer&surano=46&ayano=31يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَلَا يَجِبُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْ نَجْعَلَهَا مُلْغَاةً فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِلَّا بِدَلَالَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنَا فِي جَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ
السَّلَفِ ، مِنْهُمُ
nindex.php?page=showalam&ids=12ابْنُ عُمَرَ ، رَوَى عَنْهُ
nindex.php?page=showalam&ids=17191نَافِعٌ أَنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ ؛ وَعَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=25عَائِشَةَ مِثْلُ ذَلِكَ . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14577الشَّعْبِيُّ : ( أَيَّ جَانِبِ رَأْسِكَ مَسَحْتَ أَجْزَأَكَ ) وَكَذَلِكَ قَالَ
[ ص: 346 ] إِبْرَاهِيمُ . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِفَرْضِ الْبَعْضِ مَا حَدَّثَنَا
أَبُو الْحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا
nindex.php?page=showalam&ids=12352إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ : حَدَّثَنَا
nindex.php?page=showalam&ids=17249هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا
يُونُسُ عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=16972ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ
nindex.php?page=showalam&ids=19الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ : خَصْلَتَانِ لَا أَسْأَلُ عَنْهُمَا أَحَدًا بَعْدَمَا شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=666369إِنَّا كُنَّا مَعَهُ فِي سَفَرٍ ، فَنَزَلَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ جَاءَ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَجَانِبَيْ عِمَامَتِهِ .
وَرَوَى
nindex.php?page=showalam&ids=16030سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ
بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنِ
ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=104648أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْعِمَامَةِ أَوْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ . وَحَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا
كُرْدُوسُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا
الْمُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا
nindex.php?page=showalam&ids=16318عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=16568عَطَاءٍ عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=98677تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَرْنِهِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ .
فَإِنْ قِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ النَّاصِيَةِ لِضَرُورَةٍ ، أَوْ كَانَ وُضُوءَ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ . قِيلَ لَهُ : إِنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ لَنُقِلَتْ كَمَا نُقِلَ غَيْرُهُ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ وُضُوءَ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ فَإِنَّهُ تَأْوِيلٌ سَاقِطٌ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ
nindex.php?page=showalam&ids=19الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=911347أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَلَوْ سَاغَ هَذَا التَّأْوِيلُ فِي مَسْحِ النَّاصِيَةِ لَسَاغَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى يُقَالَ : إِنَّهُ مَسَحَ لِضَرُورَةٍ أَوْ كَانَ وُضُوءَ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِمَسْحِ الْجَمِيعِ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=676897أَنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَمُؤَخِّرَهُ قَالَ : فَلَوْ كَانَ الْمَفْرُوضُ بَعْضَهُ لَمَا مَسَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعَهُ ، وَلَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْ مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ مُتَعَدِّيًا ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=62902أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ : مَنْ زَادَ فَقَدِ اعْتَدَى وَظَلَمَ . فَيُقَالُ لَهُ : لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ الْبَعْضَ وَالْمَسْنُونُ الْجَمِيعَ ، كَمَا أَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ مَرَّةٌ وَالْمَسْنُونَ ثَلَاثٌ ، فَلَا يَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى الْمَفْرُوضِ مُتَعَدِّيًا ؛ إِذْ أَصَابَ السُّنَّةَ ، وَكَمَا أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=24988الْمَفْرُوضَ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ هُوَ بَعْضُ ظَاهِرِهِمَا وَلَوْ مَسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا ، وَكَمَا أَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ عَلَى قَوْلِنَا آيَةٌ وَعَلَى قَوْلِ مُخَالِفِينَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، وَالْمَسْنُونُ عِنْدَ الْجَمِيعِ قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَشَيْءٍ مَعَهَا .
وَالْمَفْرُوضُ مِنْ غَسْلِ الْوَجْهِ ظَاهِرُهُ وَالْمَسْنُونُ غَسْلُ ذَلِكَ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ ، وَالْمَفْرُوضُ مَسْحُ
[ ص: 347 ] الرَّأْسِ وَالْمَسْنُونُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ مَعَهُ ؛ وَكَمَا يَقُولُ مُخَالِفُنَا : إِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=56_69_54الْمَفْرُوضَ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ هُوَ الْأَكْثَرُ وَإِنَّ تَرْكَ الْقَلِيلِ جَائِزٌ وَلَوْ مَسَحَ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بَلْ كَانَ مُصِيبًا ، كَذَلِكَ نَقُولُ : إِنَّ الْمَفْرُوضَ مَسْحُ الْبَعْضِ وَالْمَسْنُونَ مَسْحُ الْجَمِيعِ . وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا : إِنَّ الْمَفْرُوضَ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ ، وَفِي رِوَايَةِ
nindex.php?page=showalam&ids=14111الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ : الرُّبُعُ ؛ فَإِنَّ وَجْهَ تَقْدِيرِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمَفْرُوضَ مَسْحُ الْبَعْضِ بِمَا قَدَّمْنَا وَكَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرَ مَذْكُورِ الْمِقْدَارِ فِي الْآيَةِ احْتَجْنَا فِيهِ إِلَى بَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ وَارِدًا مَوْرِدَ الْبَيَانِ .
وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَرَدَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ فَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ كَفِعْلِهِ لِأَعْدَادِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا ، فَقَدَّرُوا النَّاصِيَةَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَسَحَ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَرْنِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاجِبًا . قِيلَ لَهُ : مَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتْرُكُ الْمَفْرُوضَ .
وَجَائِزٌ أَنْ يَفْعَلَ غَيْرَ الْمَفْرُوضِ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ ، فَلَمَّا رُوِيَ عَنْهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مِقْدَارِ النَّاصِيَةِ فِي حَالٍ وَرُوِيَ عَنْهُ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ فِي أُخْرَى اسْتَعْمَلْنَا الْخَبَرَيْنِ وَجَعَلْنَا الْمَفْرُوضَ مِقْدَارَ النَّاصِيَةِ ؛ إِذْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ أَقَلَّ مِنْهَا وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مَسْنُونٌ . وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمَفْرُوضُ أَقَلَّ مِنْ مِقْدَارِ النَّاصِيَةِ لَاقْتَصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالٍ بَيَانًا لِلْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ النَّاصِيَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَفْرُوضُ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ مَوْضِعَ النَّاصِيَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرَّأْسِ كَمَا جَعَلْتَهَا بَيَانًا لِلْمِقْدَارِ وَلَمْ تُجِزْ أَقَلَّ مِنْهَا ، فَلَمَّا جَازَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ تَرْكُ مَسْحِ النَّاصِيَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الرَّأْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارٍ . قِيلَ لَهُ : قَدْ كَانَ ظَاهِرُ فِعْلِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ لَوْلَا قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَسْحَ غَيْرِ النَّاصِيَةِ مِنَ الرَّأْسِ يَقُومُ مَقَامَ النَّاصِيَةِ ، فَلَمْ يُوجِبْ تَعْيِينَ الْفَرْضِ فِيهَا وَبَقِيَ حُكْمُ فِعْلِهِ فِي الْمِقْدَارِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ بَيَانِهِ بِفِعْلِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ مُقْتَضِيًا مَسْحَ بَعْضِهِ ، فَأَيُّ بَعْضٍ مَسَحَهُ مِنْهُ وَجَبَ أَنْ يَجْزِيَهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ . قِيلَ لَهُ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولًا صَارَ مُجْمَلًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ حُكْمِ الْإِجْمَالِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=103خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً وَقَوْلَهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=43وَآتُوا الزَّكَاةَ وَقَوْلَهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=34يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ ص: 348 ] كُلُّهَا مُجْمَلَةٌ لِجَهَالَةِ مَقَادِيرِهَا فِي حَالِ وُرُودِهَا ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ اعْتِبَارَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْهَا ؟ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6بِرُءُوسِكُمْ وَإِنِ اقْتَضَى الْبَعْضُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَمَّا كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَنَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا مَوْقُوفَ الْحُكْمِ عَلَى الْبَيَانِ .
فَمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِعْلٍ فِيهِ فَهُوَ بَيَانُ مُرَادِ اللَّهِ بِهِ . وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ سَائِرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمَّا كَانَ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا مُقَدَّرًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ؛ وَهَذَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى
nindex.php?page=showalam&ids=16867مَالِكٍ nindex.php?page=showalam&ids=13790وَالشَّافِعِيِّ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ
nindex.php?page=showalam&ids=16867مَالِكًا يُوجِبُ مَسْحَ الْأَكْثَرِ وَيُجِيزُ تَرْكَ الْقَلِيلِ مِنْهُ فَيَحْصُلُ الْمَفْرُوضُ مَجْهُولَ الْمِقْدَارِ ،
nindex.php?page=showalam&ids=13790وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ : ( كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ جَازَ ) وَذَلِكَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ ، وَمَا قُلْنَا مِنْ مِقْدَارِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَهُوَ مَعْلُومٌ ؛ وَكَذَلِكَ الرُّبُعُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَهُوَ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ كَوْنِ الْمَفْرُوضِ مِنْهَا مَعْلُومَ الْقَدْرِ .
وَقَوْلُ مُخَالِفِينَا عَلَى خِلَافِ الْمَفْرُوضِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ؛ وَيَجُوزُ أَنْ نَجْعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً دَلِيلًا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لَهُ بِمِقْدَارِ النَّاصِيَةِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَقُولَ : لَمَّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ فِي مِقْدَارِ الْمَسْحِ مُقَدَّرًا اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ثُمَّ لَمْ يُقَدِّرْهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مِقْدَارِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَوْ مِقْدَارِ رُبُعِ الرَّأْسِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَفْرُوضُ مِنَ الْمِقْدَارِ . فَإِنْ قِيلَ : مَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ ؟ قِيلَ لَهُ : هَذَا مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لَا يُمْكِنُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ ؛ وَأَيْضًا فَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَمَّا كَانَ مُقَدَّرًا بِالْأَصَابِعِ ، وَبِهِ وَرَدَتِ السُّنَّةُ وَهُوَ مَسْحٌ بِالْمَاءِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَسْحُ الرَّأْسِ مِثْلَهُ . وَأَمَّا وَجْهُ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى الرُّبُعَ ، فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمَفْرُوضَ الْبَعْضُ وَأَنَّ مَسْحَ شَعْرَةٍ لَا يُجْزِي وَجَبَ اعْتِبَارُ الْمِقْدَارِ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِذَا أُجْرِيَ عَلَى الشَّخْصِ وَهُوَ الرُّبُعُ ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ : ( رَأَيْتُ فُلَانًا ) وَاَلَّذِي يَلِيكَ مِنْهُ الرُّبُعُ ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ؛ فَلِذَلِكَ اعْتَبَرُوا الرُّبُعَ وَاعْتَبَرُوا أَيْضًا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ الرُّبُعَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ إِذَا حَلَقَهُ ، وَلَا يَحِلُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِأَقَلَّ مِنْهُ ؛ فَلِذَلِكَ يُوجِبُونَ بِهِ دَمًا إِذَا حَلَقَهُ فِي الْإِحْرَامِ .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي
nindex.php?page=treesubj&link=56مَسْحِ الرَّأْسِ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ، فَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=11990أَبُو حَنِيفَةَ nindex.php?page=showalam&ids=14954وَأَبُو يُوسُفَ nindex.php?page=showalam&ids=16908وَمُحَمَّدٌ : " لَا يَجُوزُ مَسْحُهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ ، وَإِنْ مَسَحَهُ بِأُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ وَمَدَّهَا حَتَّى يَكُونَ الْمَمْسُوحُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَجُزْ " . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=16004الثَّوْرِيُّ nindex.php?page=showalam&ids=15922وَزُفَرُ nindex.php?page=showalam&ids=13790وَالشَّافِعِيُّ : ( يُجْزِيهِ ) إِلَّا أَنَّ
nindex.php?page=showalam&ids=15922زُفَرَ يَعْتَبِرُ الرُّبُعَ ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجْزِي فِي
[ ص: 349 ] مَفْرُوضِ الْمَسْحِ نَقْلُ الْمَاءِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ فِيهِ إِمْسَاسُ الْمَاءِ الْمَوْضِعَ لَا إِجْرَاؤُهُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا وَضَعَ أُصْبُعًا فَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ الْمَاءُ مَمْسُوحًا بِهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ مَسْحُ مَوْضِعٍ غَيْرِهِ بِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَعْضَاءُ الْمَغْسُولَةُ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَهَا بِالْمَاءِ وَلَمْ يُجْرِهِ عَلَيْهَا لَمْ يُجْزِهِ ، فَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى الْغَسْلِ إِلَّا بِجَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ وَانْتِقَالِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا بِحُصُولِهِ مِنْ مَوْضِعٍ وَانْتِقَالِهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ . وَأَمَّا الْمَسْحُ فَلَوِ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى إِمْسَاسِ الْمَاءِ الْمَوْضِعَ مِنْ غَيْرِ جَرْيٍ لَجَازَ ، فَلَمَّا اسْتَغْنَى عَنْ إِجْرَائِهِ عَلَى الْعُضْوِ فِي صِحَّةِ أَدَاءِ الْفَرْضِ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ إِلَى غَيْرِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ مَاءً وَجَرَى عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوْفَى مِنْهُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَجْزَى عَنِ الْمَسْحِ مَعَ انْتِقَالِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ ، فَهَلَّا أَجْزَتْهُ أَيْضًا إِذَا مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَنَقَلَهُ إِلَى غَيْرِهِ قِيلَ لَهُ : مِنْ قِبَلِ أَنَّ صَبَّ الْمَاءِ غَسْلٌ وَلَيْسَ بِمَسْحٍ ، وَالْغَسْلُ يَجُوزُ نَقْلُ الْمَاءِ فِيهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ ؛ وَأَمَّا إِذَا وَضَعَ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ فَهَذَا مَسْحٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا مَوْضِعًا غَيْرَهُ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُجْرَى عَلَيْهِ بِالصَّبِّ وَالْغَسْلِ يَتَّسِعُ لِلْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ كُلِّهِ ، وَمَا عَلَى أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَاءِ لَا يَتَّسِعُ لِلْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ ، وَإِنَّمَا يَكْفِي لِمِقْدَارِ الْأُصْبُعِ ، فَإِذَا جَرَّهُ إِلَى غَيْرِهِ فَإِنَّمَا نَقَلَ إِلَيْهِ مَاءً مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ .