تفسير القرآن

التفسير الكبير

الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

دار الكتب العلمية ببيروت

سنة النشر: 2004م – 1425هـ
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة عشر مجلد ًا

الكتب » التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب

المقدمةالكتاب الأول في العلوم المستنبطة من قوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
الكتاب الثاني في مباحث بسم الله الرحمن الرحيمسورة الفاتحة
سورة البقرةسورة آل عمران
سورة النساءسورة المائدة
سورة الأنعامسورة الأعراف
سورة الأنفالسورة التوبة
سورة يونسسورة هود
سورة يوسفسورة الرعد
سورة إبراهيمسورة الحجر
سورة النحلسورة الإسراء
سورة الكهفسورة مريم
سورة طهسورة الأنبياء
سورة الحجسورة المؤمنون
سورة النورسورة الفرقان
سورة الشعراءسورة النمل
سورة القصصسورة العنكبوت
سورة الرومسورة لقمان
سورة السجدةسورة الأحزاب
سورة سبأسورة فاطر
سورة يسسورة الصافات
سورة صسورة الزمر
سورة غافرسورة فصلت
سورة الشورىسورة الزخرف
سورة الدخانسورة الجاثية
سورة الأحقافسورة محمد
سورة الفتحسورة الحجرات
سورة قسورة الذاريات
سورة الطورسورة النجم
سورة القمرسورة الرحمن
سورة الواقعةسورة الحديد
سورة المجادلةسورة الحشر
سورة الممتحنةسورة الصف
سورة الجمعةسورة المنافقون
سورة التغابنسورة الطلاق
سورة التحريمسورة الملك
سورة القلمسورة الحاقة
سورة المعارجسورة نوح
سورة الجنسورة المزمل
سورة المدثرسورة القيامة
سورة الإنسانسورة المرسلات
سورة النبأسورة النازعات
سورة عبسسورة التكوير
سورة الانفطارسورة المطففين
سورة الانشقاقسورة البروج
سورة الطارقسورة الأعلى
سورة الغاشيةسورة الفجر
سورة البلدسورة الشمس
سورة الليلسورة الضحى
سورة الشرحسورة التين
سورة العلقسورة القدر
سورة البينةسورة الزلزلة
سورة العادياتسورة القارعة
سورة التكاثرسورة العصر
سورة الهمزةسورة الفيل
سورة قريشسورة الماعون
سورة الكوثرسورة الكافرون
سورة النصرسورة المسد
سورة الإخلاصسورة الفلق
سورة الناس
مسألة:
أما قوله : ( ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على وجود الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وهذا يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال ، وطعن قوم من الحشوية في هذه الطريقة ، وقالوا : الاشتغال بهذا العلم بدعة ، ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية ، وههنا ثلاث مقامات :

المقام الأول : في بيان فضل هذا العلم وهو من وجوه :

أحدها : أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف ، فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم .

[ ص: 80 ]

وثانيها : أن العلم إما أن يكون دينيا أو غير ديني ، ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني ، وأما العلم الديني فإما أن يكون هو علم الأصول ، أو ما عداه ، أما ما عداه فإنه تتوقف صحته على علم الأصول ؛ لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى ، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم ، وأما المحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فرع على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم ، والفقيه إنما يبحث عن أحكام الله ، وذلك فرع على التوحيد والنبوة ، فثبت أن هذه العلوم مفتقرة إلى علم الأصول ، والظاهر أن علم الأصول غني عنها فوجب أن يكون علم الأصول أشرف العلوم .

وثالثها : أن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده ، فكلما كان ضده أخس كان هو أشرف ، وضد علم الأصول هو الكفر والبدعة ، وهما من أخس الأشياء ، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف الأشياء .

ورابعها : أن شرف الشيء قد يكون بشرف موضوعه وقد يكون لأجل شدة الحاجة إليه ، وقد يكون لقوة براهينه ، وعلم الأصول مشتمل على الكل ، وذلك لأن علم الهيئة أشرف من علم الطب نظرا إلى أن موضوع علم الهيئة أشرف من موضوع علم الطب ، وإن كان الطب أشرف منه نظرا إلى أن الحاجة إلى الطب أكثر من الحاجة إلى الهيئة ، وعلم الحساب أشرف منهما نظرا إلى أن براهين علم الحساب أقوى ، أما علم الأصول فالمطلوب منه معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومعرفة أقسام المعلومات من المعدومات والموجودات ، ولا شك أن ذلك أشرف الأمور ، وأما الحاجة إليه فشديدة ؛ لأن الحاجة إما في الدين أو في الدنيا ، أما في الدين فشديدة ؛ لأن من عرف هذه الأشياء استوجب الثواب العظيم والتحق بالملائكة ، ومن جهلها استوجب العقاب العظيم والتحق بالشياطين ، وأما في الدنيا فلأن مصالح العالم إنما تنتظم عند الإيمان بالصانع والبعث والحشر ، إذ لو لم يحصل هذا الإيمان لوقع الهرج والمرج في العالم ، وأما قوة البراهين فبراهين هذا العلم يجب أن تكون مركبة من مقدمات يقينية تركيبا يقينيا وهذا هو النهاية في القوة ، فثبت أن هذا العلم مشتمل على جميع جهات الشرف والفضل فوجب أن يكون أشرف العلوم .

وخامسها : أن هذا العلم لا يتطرق إليه النسخ ولا التغيير ، ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي بخلاف سائر العلوم ، فوجب أن يكون أشرف العلوم .

وسادسها : أن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهية بدليل أنه جاء في فضيلة ( قل هو الله أحد ) [الإخلاص : 1] و ( آمن الرسول ) [البقرة : 285] وآية الكرسي ما لم يجئ مثله في فضيلة قوله : ( ويسألونك عن المحيض ) [البقرة : 222] وقوله : ( ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ) [البقرة : 282] وذلك يدل على أن هذا العلم أفضل .

وسابعها : أن الآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية ، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين ، وأما الآيات الواردة في القصص فالمقصود منها معرفة حكمة الله تعالى وقدرته على ما قال : ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) [يوسف : 111] فدل ذلك على أن هذا العلم أفضل ، ونشير إلى معاقد الدلائل : أما الذي يدل على وجود الصانع فالقرآن مملوء منه :

أولها : ما ذكر ههنا من الدلائل الخمسة وهي خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وخلق السماء وخلق [ ص: 81 ] الأرض ، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى الأرض ، وكل ما ورد في القرآن من عجائب السماوات والأرض ، فالمقصود منه ذلك ، وأما الذي يدل على الصفات .

أما العلم فقوله : ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) ثم أردفه بقوله : ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) [آل عمران : 5 ، 6] وهذا هو عين دليل المتكلمين فإنهم يستدلون بأحكام الأفعال وإتقانها على علم الصانع ، وههنا استدل الصانع سبحانه بتصوير الصور في الأرحام على كونه عالما بالأشياء ، وقال : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) [الملك : 14] وهو عين تلك الدلالة وقال : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) [الأنعام : 59] وذلك تنبيه على كونه تعالى عالما بكل المعلومات ؛ لأنه تعالى مخبر عن المغيبات فتقع تلك الأشياء على وفق ذلك الخبر ، فلولا كونه عالما بالمغيبات وإلا لما وقع كذلك ، وأما صفة القدرة فكل ما ذكر سبحانه من حدوث الثمار المختلفة والحيوانات المختلفة مع استواء الكل في الطبائع الأربع فذاك يدل على كونه سبحانه قادرا مختارا لا موجبا بالذات ، وأما التنزيه فالذي يدل على أنه ليس بجسم ولا في مكان قوله : ( قل هو الله أحد ) فإن المركب مفتقر إلى أجزائه والمحتاج محدث ، وإذا كان أحدا وجب أن لا يكون جسما وإذا لم يكن جسما لم يكن في المكان ، وأما التوحيد فالذي يدل عليه قوله : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) و [الأنبياء : 22] قوله : ( إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) [الإسراء : 42] وقوله : ( ولعلا بعضهم على بعض ) [المؤمنون : 91] وأما النبوة فالذي يدل عليها قوله ههنا : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) [البقرة : 23] وأما المعاد فقوله : ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) [يس : 79] وأنت لو فتشت علم الكلام لم تجد فيه إلا تقرير هذه الدلائل والذب عنها ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها ، أفترى أن علم الكلام يذم لاشتماله على هذه الأدلة التي ذكرها الله أو لاشتماله على دفع المطاعن والقوادح عن هذه الأدلة؟ ما أرى أن عاقلا مسلما يقول ذلك ويرضى به .

وثانيها : أن الله تعالى حكى الاستدلال بهذه الدلائل عن الملائكة وأكثر الأنبياء ، أما الملائكة فلأنهم لما قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) [البقرة : 30] كان المراد أن خلق مثل هذا الشيء قبيح ، والحكيم لا يفعل القبيح ، فأجابهم الله تعالى بقوله : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) والمراد إني لما كنت عالما بكل المعلومات كنت قد علمت في خلقهم وتكوينهم حكمة لا تعلمونها أنتم ، ولا شك أن هذا هو المناظرة ، وأما مناظرة الله تعالى مع إبليس فهي أيضا ظاهرة ، وأما الأنبياء عليهم السلام فأولهم آدم عليه السلام ، وقد أظهر الله تعالى حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة وذلك محض الاستدلال ، وأما نوح عليه السلام فقد حكى الله تعالى عن الكفار قولهم : ( قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ) [هود : 32] ومعلوم أن تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد والنبوة ، فالمجادلة في نصرة الحق في هذا العلم هي حرفة الأنبياء ، وأما إبراهيم عليه السلام فالاستقصاء في شرح أحواله في هذا الباب يطول وله مقامات :

أحدها : مع نفسه وهو قوله : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) [الأنعام : 76] وهذا هو طريقة المتكلمين في الاستدلال بتغيرها على حدوثها ، ثم إن الله تعالى مدحه على ذلك ، فقال : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) [الأنعام : 82] [ ص: 82 ]

وثانيها : حاله مع أبيه وهو قوله : ( ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) [مريم : 42] .

وثالثها : حاله مع قومه تارة بالقول وأخرى بالفعل ، أما بالقول فقوله : ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) [الأنبياء : 52] وأما بالفعل فقوله : ( فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ) [الأنبياء : 58] .

ورابعها : حاله مع ملك زمانه في قوله : ( ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ) [البقرة : 258] إلى آخره ، وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليس إلا تقرير هذه الدلائل ودفع الأسئلة والمعارضات عنها ، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام في المبدأ ، وأما بحثه في المعاد فقال : ( رب أرني كيف تحي الموتى ) [البقرة : 260] إلى آخره ، وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد والنبوة ، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول في أكثر الأمر على دلائل إبراهيم عليه السلام ؛ وذلك لأن الله تعالى حكى في سورة طه : ( قال فمن ربكما ياموسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) [طه : 49 ، 50] وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله : ( الذي خلقني فهو يهدين ) [الشعراء : 78] وقال في سورة الشعراء ( ربكم ورب آبائكم الأولين ) [الشعراء : 26] وهذا هو الذي قاله إبراهيم : ( ربي الذي يحيي ويميت ) [البقرة : 258] فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال موسى : ( رب المشرق والمغرب ) [الشعراء : 28] فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل حرفة هؤلاء المعصومين ، وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين ، وأما استدلال موسى على النبوة بالمعجزة ففي قوله : ( أولو جئتك بشيء مبين ) وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل ، فإن القرآن مملوء منه ، ولقد كان عليه السلام مبتلى بجميع فرق الكفار .

فالأول : الدهرية الذين كانوا يقولون : ( وما يهلكنا إلا الدهر ) [الجاثية : 24] والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل .

والثاني : الذين ينكرون القادر المختار ، والله تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات وأصناف الحيوانات مع اشتراك الكل في الطبائع وتأثيرات الأفلاك ، وذلك يدل على وجود القادر .

والثالث : الذين أثبتوا شريكا مع الله تعالى ، وذلك الشريك إما أن يكون علويا أو سفليا ، أما الشريك العلوي فمثل من جعل الكواكب مؤثرة في هذا العالم ، والله تعالى أبطله بدليل الخليل في قوله : ( فلما جن عليه الليل ) [الأنعام : 76] وأما الشريك السفلي فالنصارى قالوا بإلاهية المسيح ، وعبدة الأوثان قالوا بإلاهية الأوثان ، والله تعالى أكثر من الدلائل على فساد قولهم .

الرابع : الذين طعنوا في النبوة وهم فريقان :

أحدهما : الذين طعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا : ( أبعث الله بشرا رسولا ) [الإسراء : 94] .

والثاني : الذين سلموا أصل النبوة وطعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم اليهود والنصارى ، والقرآن مملوء من الرد عليهم ، ثم إن طعنهم من وجوه تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله : ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة ) [البقرة : 26] وتارة بالتماس سائر [ ص: 83 ] المعجزات كقوله : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) [ الإسراء : 90 ] ، وتارة بأن هذا القرآن نزل نجما نجما ، وذلك يوجب تطرق التهمة إليه ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : ( كذلك لنثبت به فؤادك ) [ الفرقان : 32 ] .

الخامس : الذين نازعوا في الحشر والنشر ، والله تعالى أورد على صحة ذلك وعلى إبطال قول المنكرين أنواعا كثيرة من الدلائل .

السادس : الذين طعنوا في التكليف تارة بأنه لا فائدة فيه ، فأجاب الله عنه بقوله : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) [ الإسراء : 7 ] ، وتارة بأن الحق هو الجبر ، وأنه ينافي صحة التكليف ، وأجاب الله تعالى عنه بأنه ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] ، وإنما اكتفينا في هذا المقام بهذه الإشارات المختصرة ؛ لأن الاستقصاء فيها مذكور في جملة هذا الكتاب ، وإذا ثبت أن هذه الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل علمنا أن الطاعن فيها إما أن يكون كافرا أو جاهلا .

السابق

|

| من 5472

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة