الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوساوس القهرية وعلاجها سلوكيا ودوائيا

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أولا: أنا لم آتِ هنا بغية العلاج الدوائي، بل أحتاج علاجًا سلوكيًا فقط.

ثانيًا: قد أصبت بحالة وسواس قهري شديدة قبل 4 سنوات تقريبًا، ولكن -الحمد لله-
يبدأ الموضوع من بعد 3 سنوات تقريبًا، كان الناس يمدحونني بصفة عامة، كما يُمدح الناس، في الفترة الأخيرة وتحديدًا هذه السنتين الأخيرتين دخل لي الوسواس القهري من هذا المدخل, أصبح وسواسي كالتالي:

- تعظيم ذات.

- احتقار ذات.

- الترهيب بعقوبة الله.

سأشرح كيف، أولا نكون في موضوع عادي جدًا، كأن أتحدث مع أحدٍ لديه مشكلة، وآتي له بالحل، وبعدما يقتنع بكلامي يبدأ في داخلي حديث النفس, كأن أقول: ما شاء الله أقنعتيه، وحليتي مشكلته، وعرفتي حلها، أنتِ ذكية, ما شاء الله, ويبدأ المدح، بعدها بقليل يتحول ذلك لاحتقار الذات على صيغة: مين أنتِ عشان تمدحين نفسك كذا, ثمة أناس أحسن منك، وأفضل، وأنتِ لا تشكلين سوى نقطة في بحر, ويأتي حديث في داخلي آخر أقول: ولو كنت أشكل نقطة في بحر فعلى الأقل فيني خير، وقد أوازي من أفضل مني, ما شاء الله، بعدها أنتقل للمرحلة الثالثة وهي أفكار بالعقوبة، وأن ربي سوف يعاقبني لغروري وغطرستي وسخافة تفكيري.

مثال آخر، أحد أفراد العائلة لديها نقص أكسجين خفيف، لكنه لا يشكل عائقًا، والبنت طبيعية وقد درست، قبل فترة كانت تقول أنها تريد معالجة بشرتها، جاءتني فكرة سخيفة, مثل: إنها ما شاء الله بالرغم من أن لديها مشكلة طفيفة إلا أنها لم تؤثر عليها، وتسلطت علي الأفكار بأني سأعاقب، ومن أنا لأحكي ذلك، مع أنك إذا لاحظت لم أقل شيئًا كبيرًا, وحديثي يميل للمدح أكثر من السخرية، والله ما كانت نيتي السخرية، ولا أعلم لمَ دائمًا تأتيني فكرة أني أسخر من كل شيء, وأن كل شيء بات يدهشني ليجعلني أتساءل.

ما كنتُ كذلك أبدًا، في الفترة الحالية أصبحت أكره المديح، لأنه يعلق في ذاكرتي ويُستخدم ضدي، ولا صرت أحب الرد أو الحديث، لكثرة ما تأتيني أفكار المدح التي بالأعلى، حتى في أتفه الأشياء.

تساؤلاتي:

- هل هذا نوع من الوساوس القهرية فعلا؟ أم هو شيء آخر؟ أنا أعرف الوساوس القهرية وأنواعها، لكني أجد ما فيني نوعًا جديدًا.

- طريقة علاجه سلوكيًا وطريقة دفعه من جذوره، إذ أنني استخدمت عدة طرق كالتحقير بالتفكير كله، وعدم الاستماع لها –إذا لم أستمع لها ترهقني فكرة العقوبة- ومحاولة قطعها إلا أنها تعود.

- هل فعلا قد أكون موضع عقوبة من الله؟

أحتاج إلى شيء أرتكز فيه لدفع الوساوس، وخصوصًا وسواس المديح.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ريما حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

شكرا لك على التواصل معنا والكتابة إلينا.

ربما تعريف الوسواس القهري يفيدنا هنا، وهو أفكار أو صور أو سلوكيات تأتي على الإنسان رغما عنه، ولا يستطيع دفعها مهما حاول، وكلما دفعها كلما اشتدت عليه، وهو أفكار في أمور لا يريدها، ولا يريد التفكير فيها.

يبدو أن ما وصفت في سؤالك ينطبق عليه هذا التعريف، وبالتالي فما تشكين منه هو شكل من أشكال الوسواس القهري. وربما تساؤلك فيما إذا كان وسواسا أم لا, إنما هو مصدره من استغرابك لطبيعة هذه الأفكار الوسواسية، وخاصة ما فيها من الانتقال بين "مدح الذات" وبين "تحقيرها". وفي الواقع فإن مثل هذه الأفكار ليست بالغريبة أو النادرة.

السؤال الآن في كيفية العلاج؟

لقد حاولتِ, وما ذكرت من محاولة عدم الاستماع، وما أسميته "التحقير في التفكير"... ومن المعروف طبعا أن هذا لا يعين على التخفيف من شدة هذه الوساوس، فمثلا محاولة عدم الاستماع للأفكار الوسواسية يزيد هذه الأفكار شدة وقوة.

طبعا يمكن لبعض الأدوية من مضادات الاكتئاب أن تخفف كثيرا من هذه الوساوس القهرية، وهي أدوية لا تسبب إدمان التناول طالما أن هناك استطباب وحاجة لاستعمالها, وبالرغم من أنك لا ترغبين الآن في العلاج الدوائي، فأرجو أن لا تستبعديها كليا، وخاصة إذا استمرت الوساوس بشكل قوي بالرغم من العلاج السلوكي.

بديلا عن العلاج الدوائي فهو ليس فقط العلاج السلوكي، وإنما ما نسميه العلاج النفسي المعرفي السلوكي. والعلاج المعرفي يشر إلى آليات علاجية تغيّر من الأفكار والقناعات التي يحملها الإنسان، والتعرف على بعض هذه الأفكار المرضية والتي تحتاح لتعديل وتغيير, ويقوم على هذا العلاج النفسي إما الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي، من خلال عدد من الجلسات تتراوح بين 8-12 جلسة، وتمتد الجلسة إلى 50 دقيقة أو الساعة, وفي كثير من الأحيان نجمع بين العلاج المعرفي السابق الذكر مع العلاج السلوكي، والذي يقوم على تغيير بعض الممارسات السلوكيات التي يقوم بها الشخص الذي يعاني من الوسواس.

العلاج السلوكي ليس مجرد أن يحاول المصاب تغيير بعض ممارساته، وإنما لا بد لنجاح هذه العلاجات من أن يقوم عليها إما طبيب نفسي صاحب خبرة في هذه العلاجات بالذات، أو أخصائي نفسي عنده التدريب اللازم لاستعمال هذه العلاجات بنجاح.

أرجو أن تراجعي أقرب عيادة نفسية لك، والحديث التفصيلي مع المعالج، وأدعوه تعالى لك بالشفاء العاجل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً