الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف استطيع الاهتمام بابني والخروج من وضع اللامبالاة معه؟

السؤال

السلام عليكم.

عندي ابني الكبير بعمر ١٢ عاماً، منذ أنجبته كنت أنا وزوجي لا نريد طفلاً، لأننا ندرس، فكنت لا أهتم بالطفل منذ حملت به، حتى أنجبته أصبت باكتئاب ما بعد الولادة، كما أن الطفل أتى ومعه مرض بالقلب فأخذته أمي تربيه، وأنا سافرت مع زوجي لإكمال دراستنا، وبعدها بأربع سنوات أنجبت بنتاً وبعدها بسنة أنجبت بنتاً وأحببتهم جداً، واهتممت بهم، وشعرت بمشاعر الأمومة، وبنتي هي طفلتي الأولى أما ابني الأول لا أهتم به، عكس زوجي.

صحيح كان لا يريد طفلاً ولكنه أحب ابننا الكبير وكان دائماً يسأل عنه، ويرسل مصروفه، وفي كل عطلة يحرص أن يرجع إلى البلد حتى يراه، وابني متعلق فيه.

المهم بعد سبع سنوات رجعنا، وكان عمر ابني سبع سنوات، ووصل عند أمي بعمر تسع سنوات، ثم زوجي أصر أن يأتي عندنا، فهو لا يستطيع أن يراه على طول، أنا بقيت بنفس تعاملي مع ابني، لا أهتم به، ولا أتحدث معه إلا للضرورة، وابني أصبح كل ما يراني مع أخواته البنات يبتعد ولا يتحدث مع أخواته، مع أني إذا كنت غير موجودة يلعب معهن.

المشكلة بعدما أنجبت ولداً صغيراً بعمر سنة وابني الكبير بعمر ١٢ سنة، ابني أصبح يغار من أخواته وأخيه كثيراً، لا يحمل أخاه ولا يلعب معه، ودائماً يسأل أباه لماذا أفرق بينهم لماذا لا أحبه.

هل أنا السبب في المشكلة مع زوجي؟ أنا أعلم أني أميز بينهم، وأن أكثر أناس ينادونني بأم ابنتي الكبيرة، وليس هو، وأكثر الناس يرجون أن ينجبوا، وعندي بنتان وولد بسبب أني أصورهم دائماً أو أخرج معهم فقط، المهم الولد الكبير يغار ولكن الحب من الله، وأنا لست قاسية معه كيف أتركه لا يغار من إخوته؟ وأن يتوقف عن التساؤلات؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رغد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

نبدأ معك بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قَدِمَ ناسٌ من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أتُقبِّلونَ صِبيانَكم؟ فقال: نعم، قالوا: لكنا والله ما نُقبِّل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوَ أَملِكُ إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة)؟! متفق عليه.

بما أنك طبيبة عيون فسنخاطبك باللغة العلمية التي تتناسب مع مستواك الأكاديمي والمهني، وقد سررنا بسؤالك حول هذه المشكلة، والتي نرجو أن نجد لها حلاً إن شاء الله.
أولاً لنتحدث عن المشكلة وهي غيرة الأخ الكبير من إخوانه الصغار.

ثانياً: نتحدث عن الأسباب الإمراضية Pathology والتي تسببت في وجود هذه المشكلة، وتتمثل في رفضك النفسي للحمل، وكذا رفضك لوجود هذا الولد في حياتك بعد ولادته ومجيئه للدنيا، وبالتالي حصل هناك ضعف ارتباط وضعف تعلق، بل حدث حاجز نفسي بينك وبين طفلك detachment وزاد من هذا الانفصال حصول اكتئاب ما بعد الولادة postpartum depression والذي من أعراضه:

علامات وأعراض اكتئابِ ما بعد الولادة ربما تتضمن:
الشعور بالاكتئاب أو التقلُّبات المزاجية الحادة.
الإفراط في البكاء، وصعوبة التعلق بطفلكِ, والابتعاد عن العائلة والأصدقاء، وفقدان الشهية أو تناول المزيد من الطعام بشكل يفوق المعتاد، وعدم القدرة على النوم (الأرق) أو النوم لفترات طويلة، والتعب البالغ أو فقدان الطاقة، وقلة الاهتمام ونقص الاستمتاع بالأنشطة التي كانت تبعث على المتعة، والتهيُّج الشديد والغضب، والخوف من ألا تكوني أمّاً جيدة.

كذلك حصول اليأس، وأحاسيس انعدام القيمة، أو الخزي، أو الذنب أو العجز، وانخفاض القدرة على التفكير بوضوح، أو التركيز، أو اتخاذ القرارات، والتملمُل، ونوبات القلق أو الهلع الشديدة، وأفكار إيذاء النفس أو إيذاء الطفل، وتكرار أفكار الموت أو الانتحار.

ربما يستمر اكتئابُ ما بعد الولادة لعدة أشهر، أو لمدة أطول في حالة عدم علاجه.

أما إذا كانت الأعراض أقل من ذلك فهذا يسمى الاكتئاب النفاسي وهو أقل حدة من اكتئاب ما بعد الولادة؛ ومن أعراضه:
التقلُّبات المزاجية، والقلق، والحزن، والتهيُّج، والشعور بالإرهاق
البكاء، وانخفاض التركيز، ومشاكل الشهية، وصعوبة في النوم.

كل ما سبق هي عوامل ساهمت في إضعاف ارتباطك بولدك البكر، لذلك فالحل هو في علاج هذه الأسباب، وتحسين وضعك النفسي، وليس في إجبار الولد على مراعاة خواطر إخوانه الأصغر، فمشكلة الولد في الواقع هي انعكاس لمشكلتك أنت، فمتى ما استطعت تجاوز مشكلتك مع نفسك، سيبدأ الولد التفاعل والتكيف مع الوضع الجديد، وبالتالي سيتقرب من إخوانه وأخواته الأصغر.

أما السلوك الصادر حالياً من الولد فإنما هو تعبير عن رفض علاقتك المتوترة معه.

لذلك عليك اتباع التالي:
١- لا بد أن تكون علاقتك بالولد أقوى من علاقته بأبيه -على الأقل في الفترة الحالية-.
٢- دخل الولد في مرحلة المراهقة وهي مرحلة تتسم بالاضطراب، والتشتت في الهوية، فيحتاج عاطفياً للوالدين كليهما، وليس للأب فقط.
٣- لا بد أن تدركي أنك مسؤولة عن تغذيته عاطفياً، ولا يكفي غذاء المعدة، وهذه المسؤولية تجعل عليك تبعة ومسؤولية أخلاقية ودينية أمام الله عز وجل.

٤- تعليلك أو ذكرك لسبب عدم الحب للولد، أن هذا ليس بيدك هي عبارة تحمل معنى صحيحاً وآخر غير صحيح؛ المعنى الصحيح أن حب القلب ليس بيد الإنسان، لكن المعنى غير الصحيح هو أنك غير مسؤولة عن هذا الوضع، والصحيح أنك مسؤولة، لأنك تستطيعين تغيير هذه المشاعر عبر استجابات سلوكية وإجراءات من شأنها تقليل المشكلة، بل حلها إن شاء الله.

٥- نشكرك لأنك غير قاسية على الولد بالمعنى الحسي، لكنك قاسية عليه بالمعنى المعنوي، والألم النفسي أشد من الألم الجسدي، وتذكري دوماً بأن ولدك يتعذب يومياً بسبب علاقتك المختلة معه.
٦- ليس مطلوباً أن تحبيه بقلبك، لكن المطلوب منك أن تحسني إليه وألا تميزيه عن إخوانه، وهذا هو العدل بين الأولاد، فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إني نحلت ابني هذا غلاماً (أي وهبته عبداً كان عندي) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلَّ ولدك نحلته مثله؟ فقال لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرجعه" [ رواه البخاري، وفي رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" قال فرجع فرد عطيته [الفتح 5/211 ]، وفي رواية "فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور" [صحيح مسلم 3/1243 ] .

٧- لا بأس أن تتعبي قليلاً في أخذ دورات والدية parenting من أجل معرفة كيفية التعامل مع أطفالك، فالأبناء هم الاستثمار الحقيقي في الحياة وبعد الرحيل عنها.

لا تنتظري الحلول منه، الحل بيدك أنت، ابدئي بكسر الحاجز بينك وبينه بأن تخرجي معه في مشوار بسيط للتنزه وأخذ هدية له، وأن يختار هو لإخوته الهدايا، وأن تعطوه بعض المسؤوليات، وأن تشاركيه بعض مشاكله، وغير ذلك من الأفكار، قد يكون الأمر في البداية صعبا، ولكنه سيسهل بعد ذلك، فهو حل لهذه المشكلة التي قد تتعمق في المستقبل أكثر، فهو ما زال صغيرا يمكن تغيير مشاعره، لكن إذا كبر سيصبح الأمر صعبا، الحل بيدك، استعيني بالله وتوكلي عليه، واسأليه بصدق أن يرقق قلبك نحو ابنك، وسيوفقك الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً