حكم تناول ذبائح البلاد الشيوعية سابقا

10-7-2013 | إسلام ويب

السؤال:
هل بلغاريا تعد من دول أهل الكتاب أم من الدول الشيوعية الملحدة؟ قرأت في مجوع فتاوى ابن باز 23ـ 30ـ ما نصه: 15ـ تحريم ذبائح الوثنيين والاشتراكيين والملاحدة: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم معالي وزير التجارة ـ وفقه الله ـ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: يا محب: لقد علمت منذ أيام بواسطة كثير من الإخوان أنه يوجد في أسواق المدينة ضمن لحوم الدجاج الواردة من البلاد الخارجية إلى المملكة نوع مكتوب عليه البلاد البلغارية والبلاد اليوغسلافية، وغير خاف على معاليكم أن بلغاريا ويوغسلافيا كلاهما بلاد اشتراكية، والاشتراكيون ذبائحهم محرمة من جنس ذبح المجوس وعبدة الأوثان، بل ذبائحهم أشد حرمة، لكونهم أعظم كفرا بسبب إلحادهم وإنكارهم الباري عز وجل ورسوله إلى غير ذلك من أنواع كفرهم، ولو سموا الله عند الذبح أو ذبحوا كما يذبح المسلمون فإن ذلك كله لا يخرج ذبيحتهم من كونها محرمة بإجماع أهل العلم، فأرجو من معاليكم تعميد الجهات المختصة بمنع توريد ذبائحهم حماية للمسلمين من أكل الحرام، وإنما أباح الله للمسلمين من ذبح الكفر ذبيحة أهل الكتاب ـ وهم اليهود والنصارى ـ إذا لم نعلم أنهم ذبحوها ذبحا يحرمها كالخنق وما في حكمه، لقول الله سبحانه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ـ الآية وطعامهم هو الذبائح، كما قاله ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وغيره من أهل العلم، وأسأل الله أن يوفق معاليكم لكل خير وأن يسدد خطاكم ويحمي بجهودكم شريعته إنه جواد كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ـ وورد في فتاوى اللجنة الدائمة بنفس المعنى السابق كما في: 22ـ 420 و 423ـ في حين أنكم ذكرتم في موقعكم في الفتوى رقم: 209281، ضمنا أنهم من أهل الكتاب، وسؤالي هو: هل بلغاريا تعد من دول أهل الكتاب كما ذكرتم؟ أم من الدول الشيوعية الاشتراكية الملحدة بحسب ما جاء في فتوى الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ واللجنة الدائمة للإفتاء؟ فالمسألة مهمة جدا، فهي تتعلق بذبائحهم وطعامهم الذي نأكله إذ إننا نعيش هناك، بل والأكثر من ذلك أننا نريد أن نصدر منهم لحوما مذبوحة من دجاج وغيره إلى بلاد المسلمين، ودقة الجواب مهمة، إذ لا تقتصر علينا، بل كما أخبرتكم تتعلق بلحوم سنصدرها إلى بلاد المسلمين.

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فبلغاريا قد ورد في بعض الإحصائيات أن نسبة النصارى فيها 84 % كما نقل ذلك في موسوعة ويكيبيديا وغيرها، وما جاء في الفتاوى المنقولة في السؤال لعله بناء على ما كان من حكم الحزب الاشتراكي الشيوعي لبلغاريا، لكن تولي الشيوعين للحكم لا يعني أن سكان البلد على ذلك الاعتقاد، وعلى كل حال فمعرفة ديانة أهل بلد معينة هو أمر يتعلق بمعرفة واقع ذلك البلد، فيرجع فيه لمن لديه اطلاع على ذلك، وليس هو من اختصاص المفتي، والمقصود من تلك الفتاوى هو تحريم ذبائح الكفار إن كانوا غير أهل الكتاب، كأن يكونوا على اعتقاد المذهب الشيوعي، والمهم على كل حال في شأن الذبائح هو النظر في حال الذابح وكونه من أهل الكتاب، والنظر في طريقة ذبحه، وأنها على الطريقة الشرعية، فأما ما يتعلق بحال الذابح: فما دام أغلب أهل البلد من أهل الكتاب ـ من اليهود أو النصارى ـ فالأصل أن الذبائح الموجودة ببلدهم حلال لنا، إلا إن علمنا أن الذابح ليس من أهل الكتاب، قال ابن عثيمين في بحثه عن اللحوم المستوردة: أن يرد من بلاد أكثر أهلها ممن تحل ذبيحتهم، فيحكم ظاهرا بحل الذبيحة تبعا للأكثر، إلا أن يعلم أن المتولي الذبح ممن لا تحل ذبيحته، فلا يحكم حينئذ بالحل، لوجود معارض يمنع الحكم بالظاهر، قال في المنتهى وشرحه: ويحل حيوان مذبوح منبوذ بمحل يحل ذبح أكثر أهله بأن كان أكثرهم مسلمين أو كتابيين ولو جهلت تسمية ذابح. اهـ من أبحاث هيئة كبار العلماء.

وأما ما يتعلق بطريقة الذبح: فإذا علمنا أن ذبح أهل الكتاب للذبائح بطريقة شرعية، فلا إشكال في حلها، وإن علمنا أنهم ذبحوها بطريقة غير شرعية كالصعق ونحوه، فلا إشكال في حرمتها، وأما إذا اشتبه الحال ولم يُدر هل تم الذبح بطريقة شرعية أم بطريقة غير شرعية، فقد اختلف العلماء في حكم ذبائحهم حينئذ، فذهب بعضهم إلى أنها لا تحل حتى يتبين أنها ذبحت بطريقة شرعية، لأن الأصل في اللحوم التحريم حتى يثبت حلها، وهذا اختيار الشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ صالح الفوزان في كتابه: الأطعمة ـ وذهب آخرون إلى حلها في حال الاشتباه، باعتبار أن الأصل في ذبائح أهل الكتاب أنها حلال، وهذا اختيار الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، وانتصر لهذا القول الشيخ عبد الله آل محمود في كتابه: فصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب ـ جاء في فتاوى ابن باز: ذكرتم أنكم أحجمتم عن أكل اللحوم بأنواعها لاعتقادكم بأنها لا تذبح على الطريقة الإسلامية ولا على طريقة أهل الكتاب ـ اليهود والنصارى ـ أي لا يذكر اسم الله عليها، وتسألني هل أكلها حلال أم حرام؟ والجواب: قال الله سبحانه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ـ الآية، هذه الآية أوضحت لنا أن طعام أهل الكتاب مباح لنا ـ وهم اليهود والنصارى ـ إلا إذا علمنا أنهم ذبحوا الحيوان المباح على غير الوجه الشرعي، كأن يذبحوه بالخنق، أو الكهرباء، أو ضرب الرأس ونحو ذلك، فإنه بذلك يكون منخنقا، أو موقوذا، فيحرم علينا، كما تحرم علينا المنخنقة والموقوذة التي ذبحها مسلم على هذا الوجه، أما إذا لم نعلم الواقع، فذبيحتهم حل لنا عملا بالآية الكريمة. اهـ.

وقال الشيخ ابن عثيمين في فتوى مطولة: الحالة الثالثة: أن نعلم أن الذبح وقع، ولكن نجهل كيف وقع بأن يأتينا ممن تحل ذبيحتهم لحم، أو ذبيحة مقطوعة الرأس، ولا نعلم على أي صفة ذبحوها، ولا هل سموا الله عليها أم لا؟ ففي هذه الحال المذبوح محل شك وتردد، ولكن النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي حله، وأنه لا يجب السؤال تيسيرا على العباد وبناء على أصل الحل، فقد سبق: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة التي أتت بها إليه اليهودية، وأنه أجاب دعوة يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة، وفي كلتا القضيتين لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية الذبح، ولا هل ذكر اسم الله عليه أم لا؟ وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوما أتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر، فقد أحل النبي صلى الله عليه وسلم أكل هذا اللحم مع الشك في ذكر اسم الله عليه، وهو شرط لحله، وقرينة الشك موجودة، وهي كونهم حديثي عهد بالكفر، فقد يجهلون أن التسمية شرط للحل، لقرب نشأتهم في الإسلام، وإحلال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مع الشك في وجود شرط الحل ـ وهي التسمية ـ وقيام قرينة على هذا الشك ـ وهي كونهم حديثي عهد بالكفر ـ دليل على إجراء ما ذبحه من تحل ذبيحته على أصل الحل، لأن الأصل في الأفعال والتصرفات الواقعة من أهلها الصحة، قال في المنتقى بعد أن ذكر حديث عائشة السابق: وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد ـ وما يرد إلينا مما ذبحه اليهود أو النصارى غالبه ما جهل كيف وقع ذبحه، فيكون تحرير المقام فيه إجراؤه على أصل الحل، وعدم وجوب السؤال عنه. اهـ.

فعلى هذا القول، فأكل الذبائح في هذه الحال جائز، وهذا فيه توسعة على الناس ورفع للحرج عنهم، وإن كان العمل بالقول الأول أبعد عن الشبهة، وراجع للفائدة الفتويين رقم: 129341، ورقم: 209281.

والله أعلم.

www.islamweb.net