العلماء..توقير وتبجيل..وتوجيه وتذكير

15-6-2003 | إسلام ويب

السؤال:
نرى كثيرًا من العلماء لا ينصحون حكَّامنا، ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، ومنهم من يتفوَّه بلسانه دون وجلٍ بأن ليس مبتغاه دولةً تُحكَم بالإسلام، فهو يكذب على الله. فما حكم هؤلاء؟
أجيبوني تُؤجَرون، ولا تخافوا، ولا تُداهنوا، ولا تُسايروا، ولا تجبنوا؛ ينصركم الله.

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإنا نلفت انتباهكم إلى الحرص على احترام العلماء، وتوقيرهم، وحسن الظن بهم، فالعلماء ورثة الأنبياء، كما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء.

وقد بوب الإمام النووي في رياض الصالحين فقال: باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وذكر في هذا الباب قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون [الزمر: 9]، وذكر فيه حديث أبي موسى: أن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط. رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني.

فلا بد من تقدير العلماء والتغاضي عن زلاتهم، (وقديمًا) قال الإمام ابن القيم: العلماء بحار، وأخطاؤهم أقذار، والماء إذا جاوز القلتين لم يحمل الخبث. اهـ.

وقال الإمام الذهبي: أخطأ ابن خزيمة في حديث الصورة، ولو أن كل إمام أخطأ ألغيناه لم يبق لنا إمام. اهـ.

وراجع نصيحة العلامة الشيخ ابن باز في الفتوى: 18788، وراجع الفتوى: 24283.

كما ننبه أصحاب الفضيلة علماءنا الأجلاء على الاهتمام بقيامهم بوراثة النبوة، فعليهم أن يقوموا بخلافة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، وأن ينتهزوا ما يتيسر لهم من الفرص، في توجيه الناس وتذكيرهم. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر الراكب خلفه على الحمار، والماشي معه في السوق، والمصلين معه في المسجد، والمسافرين معه في الغزوة والحج.

كما في حديثي معاذ وابن عباس، وفي حديث الجدي الأسك وغيرهما، وكذلك كان نوح يدعو ليلا ونهارًا سرًا وجهارًا، وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على هذا فقال: بلغوا عني ولو آية. رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

وقال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وقال: إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير. رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع.

كما ننبه من خالط الحكام من العلماء أن ينصح لهم؛ عملا بحديث مسلم: الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم.

وأن يكون لهم بطانة خير، يأمر بالمعروف ويحض عليه. ففي الحديث: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله. رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وأن يحرص على قول الحق بما تقتضيه المصلحة، مع مراعاة الموازنة بين المصالح والمفاسد في ذلك كله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري.

وفي رواية: سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ‌ورجل ‌قام ‌إلى ‌إمام ‌جائر، فأمره ونهاه. رواه الحاكم في المستدرك، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

وقال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. رواه مسلم.

كما ننبه إلى خطورة الكذب على الله والافتراء عليه، فهو ظلم عظيم. قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: من الآية 144]. وقال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل: 116 -117].

قال ابن كثير في تفسيره: يدخل في هذا كل من حرم شيئا مما أحل الله، أو أباح شيئا مما حرم الله بمجرد رأيه وتشهيه. اهـ.

ثم إنه ينبغي أن يعلم أن من أهم الأمور التي تساعد على حكم الإسلام والتمكين لأهله، حرص الجميع على الالتزام بالدين، والاستقامة على جميع الأوامر، سواء كانوا علماء أو غيرهم. مصداقًا لقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور: من الآية 55].

فبقدر استقامتنا على الالتزام بتعاليم الإسلام، يعود حكم الإسلام، وبقدر النقص يكون النقص، وكما تكونون يولى عليكم.

فعلى جميع الأمة أن ترجع إلى ربها بالتوبة الصادقة، وأن تتعاون على إقامة دينها وتحكيمه في جميع شعب حياتها، وأن تتناصح فيما بينها، وأن يحسن بعضها الظن ببعض.

والله أعلم.

www.islamweb.net