الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله أن يشرح صدرك للحق، وأن يصلح حالك، وأن يعوضك عن التجربة المؤلمة خيرًا، وننبه ابتداءً إلى أن الأحكام الشرعية ينبغي أن تؤخذ من مصادرها الصحيحة، ولا يصح أن تُقاس عدالة الإسلام أو رحمته بتصرف زوج، أو إمام مسجد، أو تجربة زواج فاشلة؛ فإن الناس يصيبون ويخطئون، وقد يسيئون استعمال الحق المشروع أو يتجاوزون حدوده.
وأما ما سألت عنه، ففيه أمور:
أولًا: مالك وشركتك ملك لك، وليس لزوجك أن يتسلط عليهما.
فالمرأة في الشريعة لها ذمة مالية مستقلة، ولها التصرف في مالها في حدود الشرع، ولا يصبح مالها ملكًا لزوجها بمجرد الزواج، وليس له أن يأخذ منه شيئًا، ولا أن يلزمها بإشراكه في تجارتها، ولا بتوظيفه في شركتها، إلا برضاها وطيب نفسها. وانظري الفتوى رقم: 9116 .
وعليه؛ فإن كان زوجك يريد أن يجعل السماح لك بمباشرة شركتك وسيلة لإلزامك بتوظيفه أو تمكينه من مالك، فليس له حق شرعي في ذلك.
ثانيًا: القوامة لا تعني أن الزوج مالك لزوجته أو لأموالها.
قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء:34]، والقوامة تكليف للزوج برعاية الأسرة وحفظها والإنفاق عليها وتدبير شؤونها بالمعروف، وليست إذنًا له بالتحكم في أموال زوجته أو إذلالها أو ابتزازها. وانظري الفتوى رقم: 16032 . فإذا وقع من الزوج تعسف أو ظلم، فلا يصح أن ينسب ذلك إلى أصل القوامة التي شرعها الله.
ثالثًا: خروج الزوجة والعمل لهما أحكامهما، والأصل أن الزوجة التي ينفق عليها زوجها ويكفيها حاجتها، لا تخرج من بيت الزوجية إلا بإذنه، مع استثناء الضرورات والحاجات والحقوق التي يقررها الشرع. وراجعي في ذلك الفتوى: 33969 .
لكن إذا اشترطت المرأة قبل الزواج أو عند العقد استمرارها في العمل ورضي الزوج بذلك، وجب عليه الوفاء بهذا الشرط، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» رواه البخاري ومسلم. وانظري الفتوى رقم: 1357 .
رابعًا: إن بلغت النفرة بين الزوجين حدًّا تخشى معه المرأة ألا تقيم حدود الله، فلها أن تطلب الخلع. والخلع مشروع في الأصل، وتفصيل أركانه وشروطه مذكور في الفتوى رقم: 13702 .
وبحسب ما ذكرتِ من قبول زوجك العوض ثم إيقاعه الفرقة، يترتب عليه حصول البينونة، ولا يملك بعد ذلك أن يردك إلى عصمته بمجرد إرادته.
خامسًا: لا يلزمك شرعًا الزواج منه مرة أخرى، ولكن الطريقة التي حصل بها الخلع تحتاج إلى مراجعة. فأنت ذكرت أنك قلت له: إن الصلح سيكون بعقد جديد، ثم طلبت منه الخلع، وبعد أن قبله وأخذ جزءًا يسيرًا من المهر الذي عرضته عليه، أخبرته بأنك لم تكوني تنوين الرجوع إليه.
فإن كنت حين وعدته بالعقد الجديد تنوي أصلًا ألا تفي بهذا الوعد، وإنما استعملته حيلة ليوافق على الخلع، فهذا أمر لا ينبغي إقراره؛ لأن تعمد الوعد مع نية إخلافه مذموم، وانظري الفتوى رقم: 44575 .
ويزداد الأمر أهمية إذا كان زوجك قد وافق على الخلع، أو اكتفى بألف دولار ورد إليك تسعة آلاف، اعتمادًا على وعدك بالعودة إليه؛ فإن الوعد إذا دخل الموعود بسببه في التزام أو لحقه بسببه ضرر، فإنه يلزم الوفاء به أو جبر الضرر الفعلي، وراجعي في ذلك الفتويين: 62371 ، 109153 .
ولذلك فلا يصح أن يقال بإطلاق إنك «غير ظالمة» في كل ما وقع. نعم، لست ظالمة بمجرد رفض الزواج منه من جديد، فهذا حقك بعد البينونة؛ لكن إن كنت قد خدعته عمدًا ليوافق على الخلع أو ليتنازل عن بعض ماله، فعليك التوبة من الخداع، وينبغي عرض تفاصيل الاتفاق على عالم موثوق؛ لمعرفة هل ترتب له بسبب ذلك حق مالي أم لا.
سادسًا: تجربتك السيئة لا تعني أن الزواج في نفسه شر. والزواج تختلف أحكامه باختلاف أحوال الأشخاص، وقد يجب على من يخشى على نفسه الوقوع في الحرام، وإلا فهو في الأصل من سنن الإسلام العظيمة ومصالحه كثيرة. وانظري الفتوى رقم: 125556 .
فلا تجعلي تجربة شخص واحد حكمًا على جميع الرجال أو على كل زواج مستقبلي.
سابعًا: قولك: «كرهت الإسلام» يحتاج إلى تفصيل، ولا ينبغي أن نتعجل في الحكم عليك بسبب عبارة خرجت منك في حال غضب وألم. فهناك فرق بين أن يكره الإنسان دين الله أو حكمًا شرعيًا لأنه من عند الله، ويعترض عليه ويرفضه، وبين أن ينفر نفسيًا مما تعرض له من ظلم، أو يكره صورة مشوهة ظن أنها هي الإسلام، أو يستثقل بعض آثار الأحكام على نفسه مع اعتقاده أنها حق من عند الله. فلا بد من التفريق بين من يكره بعض لوازم تطبيق الشريعة من حيث الطبع ولكنه مع ذلك لا يعترض ولا يعارض، بل يرضى ويسلم ويقر ويذعن، وبين من يكره ما أنزل الله تعالى وينكره. وراجعي في ذلك الفتوى رقم: 328867 .
فإن كان مقصودك أنك كرهت ما تعرضت له، ونفرت من الصورة التي قدمها لك زوجك وبعض من حولك باسم الإسلام، مع إيمانك بالله ورسوله وأن شرع الله حق وعدل، فهذا يختلف بالكلية عمن يكون في قلبه اعتراض على الله أو بغض لشرعه، فهذا أمر بالغ الخطورة.
والأولى لك الآن أن تفصلي بين الإسلام نفسه وبين أخطاء المسلمين في فهمه وتطبيقه، وأن تتعلمي حقوق الزوجين من أهل العلم الثقات حتى لا تكون تجربتك السابقة هي المصدر الذي تتكون منه صورتك عن الدين.
ثامنًا: وأخطر ما ذكرت تركك للصلاة.
فالصلاة ليست حقًا لزوجك، ولا لإمام المسجد، ولا لأي إنسان حتى يكون ظلمهم سببًا في تركها، وإنما هي صلتك بربك الذي تلجئين إليه في كل أحوالك.
وترك الصلاة من أعظم الذنوب، وقد اتفق العلماء على كفر من تركها جحودًا لوجوبها، واختلفوا فيمن تركها تكاسلًا مع إقراره بوجوبها، فذهب بعضهم إلى كفره، وذهب أكثرهم إلى أنه مرتكب لكبيرة عظيمة. وانظري الفتوى رقم: 1145 .
فبادري إلى الصلاة من الآن، ولا تنتظري حتى يزول ما تجدينه في نفسك؛ فإن الصلاة نفسها من أعظم أسباب صلاح القلب وطمأنينته. ولا تجعلي خطأ زوجك سببًا في أن تخسري أنت صلتك بربك.
والله أعلم.