الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنشكرك على ما ذكرت من ثقتك في كلام الله -عز وجل- واعتقادك أن كل حكم وراءه حكمة، وهذا هو الواجب تجاه أحكام الله الشرعية، فلا شك في أنها صادرة عن علم وحكمة، فأقوال الله -سبحانه- كلها صدق، وأحكامه كلها عدل، قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {الأنعام:115}،أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام.
والتسليم لهذه الأحكام واجب عُلِمت الحكمة أم جُهِلت، كما قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {النساء:65}.
ولا بأس بالتماس الحكمة بعد الرضا والتسليم؛ ليزداد المرء يقينا على يقينه.
وهذ الضرب المأذون فيه عند نشوز الزوجة هو الضرب غير المبرح، كما بينته السنة النبوية، والمقصود به نوع من الضرب اليسير. روى الطبري عن عطاء قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: السواك، وشبهه، يضربها به.
وإنما كان على هذا النحو اليسير لكونه ليس مقصودا منه الإيذاء والإيلام، ولكن المقصود منه التهذيب، وتقويم السلوك، والتنبيه على الخطأ. قال القرطبي في تفسيره: فإن المقصود منه الصلاح لا غير. هـ.
وهو -أي الضرب غير المبرح- بلا شك أسلوب للعلاج، وإلا لما جاء به الشرع، ولكنه ليس علاجًا في كل الحالات، بل يختلف الأمر من امرأة لأخرى، كما بين العلماء.
نقل القاضي ابن العربي في أحكام القرآن عن عَطَاء قال: "لَا يَضْرِبُهَا وَإِنْ أَمَرَهَا وَنَهَاهَا فَلَمْ تُطِعْهُ، وَلَكِنْ يَغْضَبُ عَلَيْهَا" ثم قال: هَذَا مِنْ فِقْهِ عَطَاءٍ، فَإِنَّهُ مِنْ فَهْمِهِ بِالشَّرِيعَةِ وَوُقُوفِهِ عَلَى مَظَانِّ الِاجْتِهَادِ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالضَّرْبِ هَاهُنَا أَمْرُ إبَاحَةٍ، وَوَقَفَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ: «إنِّي لَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ يَضْرِبُ أَمَتَهُ عِنْدَ غَضَبِهِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعَهَا مِنْ يَوْمِهِ» ... وَإِنَّ فِي الْهَجْرِ لَغَايَةَ الْأَدَبِ. وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لَا يَسْتَوُونَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُقْرَعُ بِالْعَصَا وَالْحُرَّ تَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ؛ وَمِنْ النِّسَاءِ، بَلْ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ لَا يُقِيمُهُ إلَّا الْأَدَبُ، فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّبَ، وَإِنْ تَرَكَ فَهُوَ أَفْضَلُ. انتهى.
ونقل ذلك ابن عاشور في التحرير والتنوير ثم قال: وأنا أرى لِعَطاءٍ نَظَرًا أوْسَعَ مِمّا رَآهُ لَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو أنَّهُ وضَعَ هاتِهِ الأشْياءَ مَواضِعَها بِحَسَبِ القَرائِنِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ، قالَ ابْنُ الفُرْسِ: وأنْكَرُوا الأحادِيثَ المَرْوِيَّةَ بِالضَّرْبِ. وأقُولُ: أوْ تَأوَّلُوها. والظّاهِرُ أنَّ الإذْنَ بِالضَّرْبِ لِمُراعاةِ أحْوالٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَأذِنَ لِلزَّوْجِ بِضَرْبِ امْرَأتِهِ ضَرْبَ إصْلاحٍ لِقَصْدِ إقامَةِ المُعاشَرَةِ بَيْنَهُما؛ فَإنْ تَجاوَزَ ما تَقْتَضِيهِ حالَةُ نُشُوزِها كانَ مُعْتَدِيًا. اهـ.
وقال أيضا: الأزْواجُ مُؤْتَمَنِونَ عَلى تَوَخِّي مَواقِعِ هَذِهِ الخِصالِ بِحَسَبِ قُوَّةِ النُّشُوزِ وقَدْرِهِ في الفَسادِ، فَأمّا الوَعْظُ فَلا حَدَّ لَهُ، وأمّا الهَجْرُ فَشَرْطُهُ أنْ لا يَخْرُجَ إلى حَدِّ الإضْرارِ بِما تَجِدُهُ المَرْأةُ مِنَ الكَمَدِ، وقَدْ قَدَّرَ بَعْضُهم أقْصاهُ بِشَهْرٍ. وأمّا الضَّرْبُ فَهو خَطِيرٌ وتَحْدِيدُهُ عَسِيرٌ، ولَكِنَّهُ أُذِنَ فِيهِ في حالَةِ ظُهُورِ الفَسادِ، لِأنَّ المَرْأةَ اعْتَدَتْ حِينَئِذٍ، ولَكِنْ يَجِبُ تَعْيِينُ حَدٍّ في ذَلِكَ، يُبَيَّنُ في الفِقْهِ ... والجُمْهُورَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الإضْرارِ، وبِصُدُورِهِ مِمَّنْ لا يُعَدُّ الضَّرْبُ بَيْنَهم إهانَةً وإضْرارًا. اهـ.
ومن لا يصلحها الضرب على الوجه المشروع يمكن أن يستخدم معها غيره من الوسائل التي جاء بها الشرع.
والله أعلم.