هل تقبل توبة من تفعل العادة السرية وكلما تابت تعود لفعلها؟

4-12-2022 | إسلام ويب

السؤال:
سائلة تقول: إنها كانت لا تصلي أبدا، وكانت تسمع الأغاني، وتشاهد المسلسلات، وبعيدة عن الله. والآن هداها الله، والتزمت حديثا بالصلاة، وأقلعت عن الأغاني، والأفلام، والتزمت بالقرآن كل الالتزام، لكن كانت تفعل ما لا يرضي الله (العادة السرية)، وعزمتْ كثيرا على تركها، وكانت تتوب بدموع تحرق وجهها، لكن في بعض الأحيان شيطانها يغلبها، فتعود لنفس المعصية، وهي على علم بأن الله -عز وجل- يراها، وتبكي؛ لأنها تعصيه بذلك، ولكن كما تقول فإنها لا تملك نفسها. ثم تُسارع فورا إلى التوبة، وتعزم على عدم العودة. وما إن يمضي شهر فتعود. فهل هذه التوبة مقبولة في كل مرة؟ وهل سيحاسبها الله على ذلك؟ علما أنها نادمة. وصلواتها التي تركتها ما حكمها؟

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فنقول للأخت السائلة: الحمد لله تعالى الذي منَّ عليك بالتوبة من ترك الصلاة، واستماع الموسيقى، ومشاهدة ما لا يحل لك مشاهدته في التلفاز. 

وبالنسبة لإدمانك على الاستمناء (العادة السرية)؛ فالواجب عليك أن تتوبي منها أيضًا، وإذاعدت إليها بعد توبتك منها؛ فجددي التوبة، وتوبتك الأولى مقبولة؛ لأنك كنت صادقة فيها، وزلل القدم بعد التوبة لا يذهب بثواب التوبة الأولى؛ لأن المستهزئ بالله تعالى هو الذي يتوب بلسانه -وهو عازم على العودة إلى الذنب-، وأنت لست كذلك، فلا تيأسي من روح الله، ولا تقنطي من رحمة الله، فباب التوبة مفتوح مهما تكرر الذنب أو عظم، ولا يغلق باب التوبة في وجه أحد ما دامت روحه في جسده، ولا علاج للذنوب إلا التوبة، فمهما تكرر ذنبك، فعالجيه بالتوبة النصوح، وكلما أذنبت فتوبي، فإذا عدت فأذنبت فتوبي.

وإذا تبت توبة نصوحا، مستوفية لشروطها من الإقلاع، والعزم على عدم المعاودة، والندم على فعل الذنب؛ فهذه توبة صحيحة مقبولة تمحو أثر ذنبك. فإذا زللت وعاودت المعصية، لم يكتب عليك إلا الذنب الجديد، وعليك حينئذ أن تتداركيه بتوبة نصوح، واستمري في ذلك، ولا تملي؛ فإن الله لا يمل حتى يمل العبد. 

ففي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ: أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ

وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم.

وقال بعضهم لشيخه: إني أذنبت، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان. واعلمي أنَّ الله تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، فلا تستسلمي لتقنيط الشيطان: وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ {الحجر:56}.

ولقد دعا الله عباده جميعاً إلى التوبة، فقال: وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {النور:31}، ورغبهم فقال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {الزمر:53}.

وإذا استزلك الشيطان، فضعفت بعد توبتك وأذنبت؛ فجددي لذنبك توبة. 

ويعينك على الثبات على التوبة، والاستمرار فيها، وعدم الرجوع للذنب: استحضار قبح المعصية، وعظيم خطرها، وكبير ضررها، واستحضار عقوبتها، وأن من عقوباتها الختم على القلب، والطبع عليه، وإلف المعصية واستحسانها، فقد يحال بسبب المعصية وتكرارها بينك وبين إرادة التوبة- والعياذ بالله-، فعليك أن تخشي من ذلك وتحذريه، فيعينك هذا على الاستمرار في التوبة، وعدم نقضها.

وننصحك بقراءة كتاب: الداء والدواء لابن القيم -رحمه الله- ففيه نفع عظيم فيما يتعلق ببيان عقوبات المعاصي وآثارها.

ومما يعينك على الاستمرار في التوبة كذلك، مجاهدة النفس، وصحبة الصالحين، والاجتهاد في الدعاء والابتهال إلى الله تعالى أن يعصمك من السوء والفحشاء، وشغل النفس بالنافع من الأقوال والأفعال، نسأل الله أن يتوب عليك توبة نصوحًا.

وبخصوص الصلوات التي تركتها قبل التوبة؛ فجمهور الفقهاء يقولون بوجوب قضائها، وانظري الفتويين: 65785، 51257.

ويجب عليك القضاء حسب طاقتك بما لا يضر ببدنك، أو معاشك؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فتقضين ما تقدرين على قضائه، حتى تؤدين ما عليك من دَين لله تعالى.

نسأل الله أن يهدي عصاة المسلمين.

والله أعلم.

www.islamweb.net