وجه الجمع بين الآيات التي يؤذن فيها بالكلام يوم القيامة والمنع منه

25-6-2023 | إسلام ويب

السؤال:
كيف نوفق بين قول الله تعالى: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) ـ وقول الله تعالى: (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا )؟

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فوجه الجمع بين هذه الآيات عند أكثر المفسرين: هو الحمل على اختلاف الأحوال يوم القيامة، فإنه يوم عصيب، فيه مواقف مختلفة، ومواطن متعددة، ففي بعضها لا يؤذن لهم في الكلام، وفي بعضها يؤذن لهم فلا يتكلمون إلا بالحق، وفي بعضها يجادلون عن أنفسهم بالباطل، لإظهار باطلهم ورده، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم.

قال الشوكاني في فتح القدير عند قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ {هود: 105} قد جمع بين هذا وبين قوله: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ـ باختلاف أحوالهم ‌باختلاف ‌مواقف ‌القيامة، وقد تكرر مثل هذا الجمع في مواضع. اهـ. 

وقال أبو السعود في إرشاد العقل السليم: إلا بإذنه ـ عز سلطانه في التكلم، كقوله تعالى: لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ـ وهذا في موطن من مواطن ذلك اليوم، وقوله عز وجل: هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ـ ‌في ‌موقف ‌آخر ‌من ‌مواقفه، كما أن قوله سبحانه: يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ـ في آخر منها، أو المأذون فيه الجوابات الحقة، والممنوع عنه الأعذار الباطلة، نعم قد يؤذن فيها أيضا لإظهار بطلانها، كما في قول الكفرة: والله ربنا ما كنا مشركين ـ ونظائره. اهـ. 

وقال ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم: قوله: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين، انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ـ وكذلك قوله: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ـ فهذا يكون في حال آخر، كما قال ابن عباس في جواب ذلك في رواية البخاري عنه لمن سأله عن مثل ذلك. اهـ.

أشار بذلك إلى ما رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي؟ وذكر منها: ولا ‌يكتمون ‌الله ‌حديثا ـ والله ربنا ‌ما ‌كنا ‌مشركين ـ فقد كتموا هذه الآية؟... فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أما قوله: ما ‌كنا ‌مشركين ـ ولا ‌يكتمون ‌الله ‌حديثا: فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِفَ أن الله لا يكتم حديثا، وعنده: يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ـ وعنده: يود الذين كفروا. اهـ.

وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:..... فيلقى العبد، فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس، وتربع، فيقول: بلى، أي رب فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك، وبكتابك، وبرسلك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذا، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه. رواه مسلم.

قال ابن هبيرة في الإفصاح عند شرح هذا الحديث: ثم يجاء بعدهما – أي بعد الكافرين المقرين بالكفر - بالمنافق، وهو الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر، فيقرره الله بنعمه، فلا يمكنه جحدها، ثم يسأله عن الإيمان به، فيدعي على الله ما لم يكن، فلذلك يقول عز وجل: ها هنا إذن؟ فيجوز أن يكون المعنى: ها هنا أيضا، أي: إنك قد بهت المخلوقين، ثم تعدى ذلك بك إلى أن بهت ربك وتجاحده، وأنت تراه، وذلك لا ينفع، وهذا تأويل قوله: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ـ أي: إن فيهم من الجرأة والقحة بين يديه، والجهل به أنه لا يعلم البواطن، حتى يحلفون أنهم مؤمنون وهم على كفرهم. اهـ.

والله أعلم.

www.islamweb.net