الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فضابط الغرر الممنوع في العقود: هو ما كان فاحشًا غالبًا على العقد حتى صار يوصف به.
وأما الغرر اليسير غير المقصود، فلا يؤثر، ولا يكاد يخلو عقد أصلًا من الغرر اليسير.
قال الباجي في المنتقى -في بيان معنى الغرر-: ما كثر فيه الغرر، وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، وأما يسير الغرر، فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع، فإنه لا يكاد يخلو عقد منه. اهـ. باختصار.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير.
منها: أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز.
وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرًا، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين.
وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم.
وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض، مع جهالة قدر المشروب، واختلاف عادة الشاربين، وعكس هذا.
وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون، والطير في الهواء.
قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرًا، جاز البيع وإلا، فلا. اهـ.
والاشتراك الشهري في تطبيقات الذكاء الاصطناعي جائز، لأمرين:
الأول: أن الغرر فيه يسير معتادٌ في عقود الخدمات، لا يبلغ حدَّ الفاحش المنهي عنه، وقد نقل النووي الإجماع على جواز الشرب من السقاء بعوض مع جهالة قدر المشروب، وعلى جواز إجارة الدار شهرًا مع أن الشهر يتفاوت، وهذا في معنى هذه المسألة.
الثاني: أن الحاجة داعيةٌ إليه، وقد قرر العلماء أن الحاجة تُبيح الغرر اليسير الذي لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة.
وانظر للفائدة الفتويين: 456424، 502951.
والله أعلم.