الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فهذه المعاملة تدخل فيما يسميه الفقهاء: عقد الاستصناع، وهو أن يطلب إنسان من آخر شيئًا لم يُصْنَع بعد ليصنعه له، بمواصفات محددة، بمواد من عند الصانع، مقابل عوض مالي، فهو يجمع بين البيع والإجارة.
وهو محلّ خلاف بين العلماء، والراجح أنه عقد صحيح ولازم، إذا تم تحديد مواصفات الشيء المطلوب تحديدًا يمنع التنازع عند التسليم، وتحديد أجل التسليم عند العقد، وراجعي في ذلك الفتوى: 11224.
وإذا تم الاتفاق، وشرع الصانع (السائلة) في العمل؛ فلا حق للمستصنع (العميل) في الرجوع عن طلبه، كما سبق بيانه في الفتوى: 505933.
وعلى ذلك؛ فليس من حق العميل إلغاء الطلب، والمطالبة بما دفع، بل يلزمه دفع بقية الثمن، وقبول المستصنَع (الطلب).
وأما السؤال عن حكم اشتراط السائلة على العميل أنه إذا تراجع عن الطلب بعد تأكيده، ودفع جزء من ثمنه، أنها ستأخذه لنفسها، ويضيع على العميل؟ فهذا يشبه بيع العربون، وهو بيع صحيح، على الراجح من أقوال أهل العلم؛ وبذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم: (72) المتعلق ببيع العربون، ونصه: المراد ببيع العربون: بيع السلعة، مع دفع المشتري مبلغًا من المال إلى البائع، على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن، وإن تركها فالمبلغ للبائع ...
يجوز بيع العربون إذا قيّدت فترة الانتظار بزمن محدود، ويحتسب العربون جزءًا من الثمن إذا تم الشراء، ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء. اهـ.
وإذا كان هذا في البيع، فهو في الاستصناع أولى؛ لأن الصانع يبذل جهدًا، وينفق مالاً على المستصنَع الذي طُلِب على وصف محدد، قد لا يصلح إلا لمن طلبه، فيضيع على الصانع إذا لم يأخذه طالبه.
والله أعلم.