الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالتداول في هذه الشركة بالصورة المذكورة في السؤال مشتمل على جملة من المحاذير منها:
قيامها على القمار والميسر والغرر؛ فالمتداول يدفع المال، ولا يدري هل يربح أو يخسر؛ فالمعاملة دائرة بين الغرم والغنم، من نجح في الاختبار استرد ماله (أو حصل على مكافأة)، ومن خسر في الاختبار لا يُرد له ماله، وهذا هو ضرب من القمار، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 90 - 91]
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: القمار معناه: أن يؤخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوضه أو لا يحصل. اهـ.
وقال البجيرمي في حاشيته على شرح المنهج: والميسر: هو القمار، وهو ما يكون فعله مترددًا بين أن يغنم وأن يغرم. اهـ.
ومنها: أن المتداول فيها لا يتداول فعليًا بأموال حقيقية؛ بل يتاجر في حسابات محاكاة أو افتراضية، ثم تدفع الشركة لمن ينجح في هذا التداول الوهمي من عائدات رسوم الاشتراك التي يدفعها الخاسرون، فالهدف الأساسي لهذه الشركات هو تحقيق الربح من رسوم الاشتراك المتكررة، حيث يخسر معظم المشتركين اشتراكاتهم ثم يجددونها، فلا تنمو هذه الشركات إلا في وجود من يخسر لمصلحة من يربح.
علاوة على ذلك، غالبًا ما تستخدم هذه الشركات أشكالًا مختلفة من التعقيدات الفنية المتعمدة، والممارسات التلاعبية المصممة لجعل المتداولين يخطؤون في الحسابات المحاكاة التي تسيطر عليها الشركة، مما يمنعهم من الحصول على الحصة الموعودة من الأرباح.
وعليه؛ فالذي يظهر حرمة دفع الرسوم للاشتراك في التداول بالصورة المذكورة في السؤال، ولا يحل أخذ الأرباح الناتجة عن الأداء الافتراضي فيها؛ لأنه مال مكتسب بطريقة غير مشروعة؛ فإنها ناتجة عن تداول افتراضي لا حقيقي، فلا يوجد بيع وشراء فعلي، وإنما تدفع من رسوم المحاولات الفاشلة للمشتركين الآخرين؛ وهذا يُعدّ من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله تعالى عنه بقوله: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة: 188].
ولا فرق مؤثر بين التحدي والحساب المباشر، فهو وإن خلا من الاختبار المتضمن للقمار، إلا أنه مشتمل على الغرر المحرم؛ إذ المشترك معرض لإغلاق الحساب وخسارة ثمنه عند مخالفته حدود الخسارة، كما أن الجميع يعمل بحسابات تجريبية افتراضية، ولا يُنسخ التداول إلى حسابات حقيقية، والأرباح المذكورة تُدفع من رسوم المشتركين الآخرين.
ولا فرق كذلك بينها وبين البرامج التي ترد الرسوم عند أول دفعة ناجحة، فإن الاسترداد مشروط بالنجاح فقط، فهو استرداد غير مضمون، فهو داخل في الغرر المنهي عنه.
قال ابن تيمية في المجموع: وما ثبت في صحيح مسلم {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر} يتناول كل ما فيه مخاطرة. اهـ.
والله أعلم.