الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

( حرف الهمزة )

جزء التالي صفحة
السابق

1131 - " اعبد الله؛ ولا تشرك به شيئا؛ واعمل لله كأنك تراه؛ واعدد نفسك في الموتى؛ واذكر الله (تعالى) عند كل حجر؛ وكل شجر؛ وإذا عملت سيئة؛ فاعمل بجنبها حسنة؛ السر بالسر؛ والعلانية بالعلانية " ؛ (طب هب) ؛ عن معاذ بن جبل ؛ (ح).

التالي السابق


(اعبد الله) ؛ مقصوده - كما قال الحراني - حمل الخلق على صدق التذلل إثر التطهير من رجسهم؛ ليعود بذلك وصل ما انقطع؛ وكشف ما انحجب؛ ولما أظهر لهم خوف الزجر من زجر عبادة إله آخر؛ أثبت لهم الأمر بالتفريد؛ حيث قال: (ولا تشرك به شيئا) ؛ أي: لا تشرك معه في التذلل له شيئا؛ أي شيء كان؛ وهذا أول ما أقام الله من بناء الدين؛ وجمع بينهما لأن الكفار كانوا يعبدونه في الصورة؛ ويعبدون معه أوثانا؛ يزعمون أنها شركاؤه؛ (واعمل لله كأنك تراه) ؛ رؤية معنوية؛ يعني: كن عالما متيقظا؛ لا ساهيا؛ ولا غافلا؛ وكن مجدا في العبودية؛ مخلصا في النية؛ آخذا أهبة الحذر؛ فإن من علم أن له حافظا رقيبا شاهدا لحركاته وسكناته؛ فلا يسيء الأدب طرفة عين؛ ولا لمحة خاطر؛ وهذا من جوامع الكلم؛ وقال هنا: اعمل لله؛ وقال في حديث الصحيحين: " اعبد الله" ؛ لأن العمل أعم؛ فيشمل؛ (واعدد نفسك في الموتى) ؛ وترحل عن الدنيا؛ حتى تنزل بالآخرة؛ وتحل فيها؛ حتى تبقى من أهلها؛ وأنك جئت إلى هذه الدار كغريب يأخذ منها حاجته؛ ويعود إلى الوطن الذي هو القبر؛ وقد قال علي - كرم الله وجهه -: " إن الدنيا قد ترحلت مدبرة؛ والآخرة ترحلت مقبلة؛ ولكل منهما بنون؛ فكونوا من أبناء الآخرة؛ ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل؛ ولا حساب؛ وغدا حساب؛ ولا عمل" ؛ انتهى؛ فكأنك بالموت وقد سقاك كأسه على غفلة؛ فصرت من عسكر الموتى؛ فنزل نفسك منزلة من قضى نحبه؛ واترك الحرص؛ واغتنم العمل؛ وقصر الأمل؛ ومن تصور في نفسه أنه لا يعيش غدا؛ لا يهتم له؛ ولا يسعى لكفايته؛ فيصير حرا من رق الحرص والطمع والذل لأهل الدنيا؛ قال ابن الجوزي : إذا رأيت قبرا؛ فتوهمه قبرك؛ وعد باقي الحياة ربحا؛ (واذكر الله (تعالى) عند كل حجر؛ وكل شجر) ؛ أي: عند مرورك على كل شيء من ذلك؛ فالمراد ذكره على كل حال؛ قال العارفون: ومن علامات صحة القلب ألا يفتر عن ذكر ربه؛ ولا يسأم من خدمته؛ ولا يأنس بغيره؛ ولما كان ذلك كله يرجح إلى الأمر بالتقوى والاستقامة؛ وكمال ذلك لا يكون إلا لمن اتصف بالعصمة؛ وحفظ عن كل وصمة؛ وأما غيره فلا بد له من سقطة؛ أو هفوة؛ أرشد إلى تدارك ما عساه يكون من الذنوب؛ بقوله: (وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة) ؛ تمحها؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات؛ (السر بالسر؛ والعلانية بالعلانية) ؛ أي: إن عملت سيئة فقابلها بحسنة سرية؛ وإن عملت سيئة علانية؛ فقابلها بحسنة علانية؛ هذا هو الأنسب؛ وليس المراد أن الخطيئة السرية لا يكفرها إلا توبة جهرية؛ وعكسه؛ كما ظن؛ وقيل: أراد بتوبة السر الكفارة التي تكون للصغيرة بالعمل الصالح؛ والقسم الثاني بالتوبة؛ كما سبق موضحا.

(طب هب) ؛ من حديث أبي سلمة ؛ (عن معاذ بن جبل ) ؛ قال: أردت سفرا؛ فقلت: يا رسول الله؛ أوصني؛ فذكره؛ قال المنذري: ورواه الطبراني بإسناد جيد؛ إلا أن فيه انقطاعا بين أبي سلمة ؛ ومعاذ ؛ وقال الحافظ العراقي : رجاله ثقات؛ وفيه انقطاع؛ انتهى؛ وقال تلميذه الهيتمي: أبو سلمة لم يدرك معاذا ؛ ورجاله ثقات؛ وقد رمز المصنف لحسنه.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث