الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        معنى بعض حروف المعاني

                        وقد ذكر جماعة من أهل الأصول في المبادئ مباحث في بعض الحروف التي ربما يحتاج إليها الأصولي ، وأنت خبير بأنها مدونة في فن مستقل مبينة بيانا تاما ، وذلك كالخلاف في الواو هل هي لمطلق الجمع أو للترتيب ؟

                        فذهب إلى الأول جمهور النحاة ، والأصوليين ، والفقهاء .

                        قال أبو علي الفارسي : أجمع نحاة البصرة ، والكوفة ، على أنها للجمع المطلق .

                        وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه ، أنها للجمع المطلق ، وهو الحق .

                        وقال الفراء وثعلب وأبو عبيد : إنها للترتيب .

                        [ ص: 114 ] وروي هذا عن الشافعي والمؤيد بالله وأبي طالب . احتج الجمهور بأن الواو قد تستعمل فيما يمتنع الترتيب فيه ، كقولهم : تقاتل زيد وعمرو ، ولو قيل : تقاتل زيد فعمرو ، أو تقاتل زيد ثم عمرو ، لم يصح ، والأصل الحقيقة ، فوجب أن يكون حقيقة في غير الترتيب .

                        وأيضا : لو اقتضت الواو الترتيب لم يصح قولك : رأيت زيدا وعمرا بعده ، أو رأيت زيدا وعمرا قبله ; لأن قولك : بعده ، يكون تكرارا لما تفيده الواو من الترتيب ، وقولك : قبله ، يكون مناقضا لمعنى الترتيب .

                        ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال : بأنه امتنع جعل الواو هنا للترتيب ; لوجود مانع ، ولا يستلزم ذلك امتناعه عند عدمه .

                        واحتجوا أيضا بقوله تعالى : وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة في سورة البقرة ، وقال في سورة الأعراف : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا وقوله : واسجدي واركعي مع الراكعين مع أن الركوع مقدم على السجود ، وقوله : فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وقوله : أو تقطع أيديهم وأرجلهم وقوله : والسارق والسارقة و الزانية والزاني وليست في شيء من هذه المواضع للترتيب ، وهكذا في غيرها مما يكثر تعداده‌‌ .

                        وعلى كل حال فأهل اللغة العربية لا يفهمون من قول من قال : اشتر الطعام والإدام ، أو اشتر الإدام والطعام الترتيب أصلا ، وأيضا لو كانت الواو للترتيب ، لفهم الصحابة رضي الله عنهم من قوله سبحانه : إن الصفا والمروة من شعائر الله أن الابتداء يكون من الصفا من دون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ ص: 115 ] عن ذلك ، ولكنهم سألوه فقال : ابدءوا بما بدأ الله به .

                        واحتج القائلون بالترتيب ، بما صح أن خطيبا قال في خطبته : من يطع الله ورسوله فقد اهتدى ، ومن عصاهما فقد غوى ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بئس خطيب القوم أنت ، قل : ومن يعص الله ورسوله .

                        ولو كان الواو لمطلق الجمع لما افترق الحال بين ما علمه الرسول ، وبين ما قاله .

                        وأجيب عن هذا : بأنه إنما أمره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ; لأنه فهم منه اعتقاد التسوية بين الله ورسوله ، فأمره بعدم الجمع بينهما في ضمير واحد تعظيما لله سبحانه .

                        والحاصل : أنه لم يأت القائلون بإفادة الواو للترتيب بشيء يصلح للاستدلال به ويستدعي الجواب عنه .

                        وكما أن الواو لمطلق الجمع من دون ترتيب ولا معية ، فالفاء للتعقيب بإجماع أهل اللغة ، وإذا وردت لغير تعقيب ، فذلك لدليل آخر ، مقترن معناه بمعناها .

                        وكذلك ( في ) للظرفية إما محققة أو مقدرة .

                        وكذلك ( من ) ترد لمعان .

                        وكذلك ( الباء ) لها معان مبينة في علم الإعراب ، فلا حاجة لنا إلى التطويل بهذه الحروف ، التي لا يتعلق بتطويل الكلام فيها كثير فائدة ، فإن معرفة ذلك قد عرفت من ذلك العلم .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية