الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدمة تفسير سورة الأنعام

جزء التالي صفحة
السابق

فالآن نمضي في التعريف المجمل بالسورة وخصائصها وملامحها ، على النحو الذي ألفناه في هذه الظلال ، قبل الدخول في الاستعراض المفصل للسياق :

في روايات عن ابن عباس ، وعن أسماء بنت يزيد ، وعن جابر ، وعن أنس بن مالك وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم جميعا - أن هذه السورة مكية ، وأنها نزلت كلها جملة واحدة .

وليس في هذه الروايات ما يعين تاريخ نزول السورة ، وليس في موضوعها كذلك ما يحدد زمن نزولها من العهد المكي . . وهي حسب الترتيب الراجح لسور القرآن يجيء ترتيبها بعد سورة الحجر ; وتكون هي السورة الخامسة والخمسين . . ولكننا - كما بينا من قبل في التعريف بسورة البقرة - لا نستطيع بمثل هذه المعلومات أن نجزم بشيء عن تاريخ محدد لنزول السور . فالمعول عليه عندهم - في الغالب - في ترتيب السور على هذا النحو هو تاريخ نزول أوائلها - لا جملتها - وقد تكون هناك أجزاء من سورة متقدمة نزلت بعد أجزاء من سورة متأخرة . إذ المعول في الترتيب على أوائل السورة . . أما في سورة الأنعام فقد نزلت كلها جملة .

ولكننا لا نملك تحديد تاريخ نزولها . غير أننا نرجح أنها كانت بعد السنوات الأولى من الرسالة . . ربما الخامسة أو السادسة . . ولا نعتمد في هذا الترجيح على أكثر من رقم الترتيب ; ثم على سعة الموضوعات التي تناولتها ، والتوسع في عرضها على هذا النحو ، الذي يشي بأن الدعوة والجدل مع المشركين ، وطول الإعراض منهم والتكذيب لرسول الله ، أصبح يقتضي التوسع في عرض القضايا العقيدية على هذا النحو ; كما يقتضي تسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طول الصد والإعراض والتكذيب . .

وفي رواية عن ابن عباس وقتادة : أن السورة مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة . قوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء. قل: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس، تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا، وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، قل: الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون . . وهي الآية : 91 . نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين . وقوله تعالى : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله، والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه، كلوا من ثمره إذا أثمر، وآتوا حقه يوم حصاده، ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . . [ ص: 1021 ] وهي الآية 141 ، نزلت في ثابت بن قيس شماس الأنصاري . . وقال ابن جريج والماوردي : نزلت في معاذ بن جبل .

والرواية عن الآية الأولى محتملة ; بسبب أن فيها ذكرا للكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ، ومواجهة لليهود في قوله تعالى : تجعلونه قراطيس تبدونها . . وإن كان هناك روايات أخرى عن مجاهد ، وعن ابن عباس أن الذين قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء هم مشركو مكة وأن الآية مكية. وهناك قراءة : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا . . . فهي على هذه القراءة خبر عن اليهود وليست خطابا لهم . وسياق الآية كله عن المشركين . وقد رجح ابن جرير هذه الرواية واستحسن هذه القراءة . . وعلى هذا تكون الآية مكية . .

وأما الآية الثانية فالسياق لا يحتمل أن تكون مدنية . لأن السياق بدونها ينقطع ما قبلها فيه عما بعدها في المعنى وفي العبارة . والحديث متصل عن إنشاء الله للجنات المعروشات ، وعن جعله حمولة وفرشا من الأنعام في الآية التي تليها : ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . .

ثم يمضي السياق في تكملة الحديث عن الأنعام ، الذي كان قد بدأه قبل آية الثمار . . يجمعها كلها موضوع واحد ، هو الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة الخاصة بقضية التحريم والتحليل والنذور .

وإنما الذي جعل بعضهم يعتبرها مدنية هو ما جاء فيها من قوله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده . . واعتبارهم هذا الأمر يعني الزكاة . والزكاة لم تتقرر بأنصبتها المحددة في الزروع والثمار إلا في المدينة . . ولكن هذا المعنى ليس متعينا في الآية . إذ أن هناك أقوالا مأثورة في تفسيرها بأنها تعني الصدقات ، أو بأنها تعني الإطعام منها لمن يمر بهم يوم الحصاد أو جني الثمار ; أو لقرابتهم . . وأن الزكاة حددت فيما بعد بالعشر ونصف العشر . . وعلى هذا تكون الآية مكية .

وقال الثعلبي : سورة الأنعام مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة : وما قدروا الله حق قدره . . إلى آخر ثلاث آيات . و قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . . إلى آخر ثلاث آيات . .

والآيات الأولى بينا مكيتها ، إذ ينطبق على الآيتين الثانية والثالثة من هذه المجموعة ما ينطبق على الآية الأولى منها . .

أما المجموعة الثانية فليس هناك - فيما وصل إليه اطلاعي - رواية عن صحابي ولا تابعي عن كونها مدنية ; وليس في موضوعها ما يدعو إلى اعتبارها مدنية . وهي تتحدث عن تصورات جاهلية ; وهي متصلة بموضوع التحريم والتحليل في الذبائح والنذور الذي سبق الحديث عنه ، اتصالا وثيقا . . لذلك نميل إلى اعتبارها مكية كذلك . .

وفي المصحف الأميري أن الآيات (20 ، 23 ، 91 ، 92 ، 114 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153 ) مدنية . وقد تحدثنا عن الآيات (91 ، 92 ) و (141 ) و (151 - 153 ) وليس في الآيات (20 ، 23 ، 114 ) ما يدعو إلى الظن بأنها مدنية إلا ذكر أهل الكتاب فيها . وهذا ليس دليلا فقد ورد مثل هذه في الآيات المكية . .

لهذا كله نحن نميل إلى اعتبار الروايات المطلقة ، التي تنص على أن السورة نزلت بجملتها في مكة في ليلة واحدة . وقد وردت عن ابن عباس وعن أسماء بنت يزيد ، وفي الرواية عن أسماء تحديد للرواية بحادث مصاحب على النحو التالي : [ ص: 1022 ] قال سفيان الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت : نزلت سورة الأنعام على النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة .

أما الرواية عن ابن عباس فقد رواها الطبراني قال :

حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : "نزلت الأنعام بمكة ليلة ; جملة واحدة ، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح . .

وهاتان الروايتان أوثق من الأقوال التي جاء فيها أن بعض الآيات مدنية . وذلك بالإضافة إلى التحليل الموضوعي الذي أسلفنا .

والواقع أن سياق السورة في تماسكه وفي تدافعه وفي تدفقه يوقع في القلب أن هذه السورة نهر يتدفق ، أو سيل يتدفع ، بلا حواجز ولا فواصل ; وإن بناءها ذاته ليصدق تماما هذه الروايات ، أو على الأقل يرجحها ترجيحا قويا .

أما موضوع السورة الأساسي وشخصيتها العامة فقد أجملنا الإشارة إليهما في مطلع الحديث عنها . ولكن لا بد من شيء من التفصيل في هذا التعريف . .

روى أبو بكر بن مردويه - بإسناده - عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين ، لهم زجل بالتسبيح ، والأرض بهم ترتج . ورسول الله يقول : "سبحان الله العظيم . سبحان الله العظيم . . " .

هذا الموكب ، وهذا الارتجاج ، واضح ظلهما في السورة ! . . إنها هي ذاتها موكب . موكب ترتج له النفس ، ويرتج له الكون ! . . إنها زحمة من المواقف والمشاهد والموحيات والإيقاعات ! . . وهي - كما قلنا من قبل - تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة . ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها ، ومتشابكة معها ، في المجرى المتصل المتدفق !

والموضوع الرئيسي الذي تعالجه متصل ; فلا يمكن تجزئة السورة إلى مقاطع ، كل مقطع منها يعالج جانبا من الموضوع . . إنما هي موجات . . وكل موجة تتفق مع التي قبلها وتكملها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث