الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خاتمة الكتاب

جزء التالي صفحة
السابق

فهذا ما أردنا أن نورده من جملة الأذكار والدعوات والله الموفق للخير وأما بقية الدعوات في الأكل والسفر وعيادة المريض ، وغيرها ، فستأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى وعلى الله التكلان .

نجز كتاب الأذكار والدعوات بكماله يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الأوراد والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

التالي السابق


ومن فوائد الدعاء: أنه اشتغال بذكر الحق، وذلك يوجب مقام الهيبة في القلوب، والإنابة في الطاعة، والانقلاع عن المعاصي، ولزوم الباب يستدعي الإذن في الدخول؛ ولهذا قيل: "من أدمن قرع الباب ولج ولج" وكان يقال: "الإذن في الدعاء خير من العطاء" وقيل لبعضهم: "ادع الله لي، فقال: كفاك الله من الأجنبية أن يجعل بينك وبينه واسطة" وأصل شقاوة أهل النار في النار حيث قالوا فيما حكاه الله عنهم: وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فالحجاب ملازم لهم، ثم لما لم يغنهم ذلك قالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا .

ومنها: أن ملازمة الدعاء دافعة للبلاء والشقاء، كما قال تعالى حاكيا عن خليله إبراهيم -عليه السلام-: وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا وعن زكريا -عليه السلام-: ولم أكن بدعائك رب شقيا .

( فهذا ما أردنا أن نورده من جملة الأذكار والدعوات) وما يتعلق بها من الفضائل ( والله الموفق للخير) لا خير إلا خيره، ولا رب غيره .

( وأما بقية الدعوات) التي تذكر ( في الأكل والسفر وعيادة المرضى، وغيرها، فستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى) .



ولنختم هذا الكتاب بفائدتين:

*الأولى: قال الزركشي: اختار الخطابي في كتاب الدعاء أن الدعاء لا يستجاب منه إلا ما وافق القدر، وقال: إنه المذهب الصحيح، وهو قول أهل السنة والجماعة، ونقله عنه كذلك الطرطوشي في كتاب الأدعية، وفائدته حينئذ كون المعاملة فيه على معنى الترجي والتعلق بالطبع، الباعثين على الطلب دون اليقين الذي تقع به الطمأنينة، فيفضي بصاحبه إلى ترك العمل، والإخلاد إلى دعة العطلة، وقد قالت الصحابة: "أرأيت أعمالنا هذه شيء قد فرغ منه أم أمر نستأنفه؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- بل هو أمر قد فرغ منه، فقالوا: ففيم العمل إذا؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فعلمهم -صلى الله عليه وسلم- الأمرين، ثم ألزمهم العمل الذي هو تدرجة التعبد؛ لتكون تلك الأعمال يسرا، فيريد أنه ييسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر به قبل وجوده .

قال: وهكذا القول في الرزق مع التسبب إليه بالتكسب، وفي العمر والأجل والتسبب إليه بالطب والعلاج، وفي هذا لطف عظيم بالعباد؛ فإنه سبحانه تملك طباعهم البشرية، فوضع هذه الأسباب ليأتسوا بها، فيخفف عنهم ثقل الامتحان الذي يفسدهم، وليتصرفوا بذلك بين الخوف والرجاء؛ ليستخرج منهم وظيفتي الشكر والصبر .

*الثانية: اختلفوا، هل الأفضل الدعاء أو السكوت والرضا؟ فقالت طائفة: السكوت أفضل، والجمود تحت جريان الحكم أتم، وسئل الواسطي أن يدعو فقال: أخشى إن دعوت أن يقال: إن سألتنا ما لك عندنا فقد اتهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت إلينا، وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور .

وحكى الطرطوشي، عن عبد الله بن المبارك أنه قال: ما دعوت الله منذ خمسين سنة، ولا أريد أن يدعو لي أحد .

واحتج القائلون بهذا المذهب "بأن امرأة بها لمم سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو لها الله -عز وجل- فقال: أو تصبرين ولا حساب عليك".

"وسأله الأنصار أن يدعو الله -سبحانه وتعالى- أن يكشف الحمى عنهم، فقال: أو تصبرون فتكون لكم طهرا".

وقال حكاية عن الله تعالى: "ومن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

وقالت طائفة: يكون صاحب دعاء بلسانه، ورضا بقلبه؛ ليأتي بالأمرين جميعا. وقيل: لا يدعو إلا بطاعة ينالها، أو خوف سخط، فإن دعا بسوى ذلك فقد خرج عن حد الرضا .

وقال القشيري: الأولى أن يقال: إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى، وإذا وجد في قلبه إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم، قال: ويصح أن يقال: ما كان للمسلمين فيه نصيب أو لله تعالى فيه حق فالدعاء أولى، وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم .

والصواب: أن الدعاء أولى مطلقا، وعليه الجمهور، فإنه نفسه عبادة، والإتيان بالعبادة أولى من تركها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم بكشف البلايا والشدائد، وإن كان فيها فضل كبير، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة -رضي الله عنها-: "إن وافقت ليلة القدر فسلي الله العفو والعافية" وعلمها [ ص: 118 ] لعمه العباس رضي الله عنه .

ولما كانت ليلة الإسراء، وانتهى إلى مقام قاب قوسين عظم سؤاله في ليلته، فلولا أن السؤال من أجل العبادات ما تلبس به، ولما أمر أمته به، فكيف يسوع لأحد أن يقول: اللهم أغنني بك عن السؤال منك؟! نعم، يمكن أن يريد أن يغنيه الله باختباره عن اختباره لنفسه؛ فإن اختبار الله للعبد كامل، واختبار العبد لنفسه معلول بوجود علة الأدناس، فما خرج عن السؤال .

وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- للأنصار: "أو تصبرون" فهو سؤال كشف وتعليم، فأوحى الله إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت، وأخر الدعاء، ويحتمل أنه رأى بهم جزعا وقلة صبر فأمرهم به .



* ( خاتمة الفائدتين) *

اعلم أن الذكر إما أن يكون باللسان أو بالقلب أو بالجوارح، فالذكر باللسان هو الألفاظ الدالة على التحميد والتمجيد والتسبيح .

والذكر بالقلب التفكير في دلائل الذات والصفات، ودلائل التكاليف، وأسرار مخلوقات الله تعالى.

والذكر بالجوارح أن تصبر الجوارح مستغرقة في الطاعات، قال تعالى: فاذكروني أذكركم وحسبك بهذا الجزاء .

وبهذا تم شرح كتاب الأذكار والدعوات، حامدا لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات، مصليا على نبيه أكمل البريات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام الهداة، وأنا متوسل بمؤلفه -رضي الله عنه- إلى الله ورسوله أن يشفي مريضي، ويحسن عواقبي، ويختم لي ولإخواني المسلمين بخير وعافية .

جرى ذلك في ضحوة سبت النور تاسع عشر جمادى الأولى سنة 1195 بمنزلي بسويقة لالا، قاله وكتبه أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني، غفر له بمنه وكرمه، وحسبنا الله ونعم الوكيل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث