الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل حكم الشهادة في الدنيا

جزء التالي صفحة
السابق

والثاني أنه يكفن في ثيابه لقول النبي صلى الله عليه وسلم { زملوهم بدمائهم ، وقد روي في ثيابهم } وروينا عن عمار ، وزيد بن صوحان أنهما قالا : لا تنزعوا عني ثوبا الحديث غير أنه ينزع عنه الجلد ، والسلاح ، والفرو ، والحشو ، والخف ، والمنطقة ، والقلنسوة ، وعند الشافعي لا ينزع عنه شيء مما ذكرنا لقوله : عليه الصلاة والسلام { زملوهم بثيابهم } .

ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال تنزع عنه العمامة ، والخفين ، والقلنسوة وهذا ; لأن ما يترك يترك ليكون كفنا ، والكفن ما يلبس للستر ، وهذه الأشياء تلبس إما للتجمل ، والزينة ، أو لدفع البرد ، أو لدفع معرة السلاح ، ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك فلم يكن شيء من ذلك كفنا ، وبه تبين أن المراد من قوله : صلى الله عليه وسلم { زملوهم بثيابهم } الثياب التي يكفن بها ، وتلبس للستر ; ولأن هذا عادة أهل الجاهلية فإنهم كانوا يدفنون أبطالهم بما عليهم من الأسلحة ، وقد نهينا عن التشبه بهم ، ويزيدون في أكفانهم ما شاءوا ، وينقصون ما شاءوا لما روي { أن حمزة رضي الله عنه كان عليه نمرة لو غطي رأسه بها بدت رجلاه ولو غطيت بها رجلاه بدا رأسه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطى بها رأسه ، ويوضع على رجليه شيء من الإذخر } .

وذاك زيادة في الكفن ; ولأن الزيادة على ما عليه حتى يبلغ عدد السنة من باب الكمال فكان لهم ذلك ، والنقصان من باب دفع الضرر عن الورثة لجواز أن يكون عليه من الثياب ما يضر تركه بالورثة فأما فيما سوى ذلك فهو كغيره من الموتى وقال الشافعي : إنه لا يصلى عليه ، كما لا يغسل واحتج بما روي عن جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى على أحد من شهداء أحد } ; ولأن الصلاة على الميت شفاعة له ، ودعاء لتمحيص ذنوبه ، والشهيد قد تطهر بصفة الشهادة عن دنس الذنوب على ما قال النبي : صلى الله عليه وسلم { السيف محاء للذنوب } فاستغني عن ذلك ، كما استغني عن الغسل ; ولأن الله تعالى وصف [ ص: 325 ] الشهداء بأنهم أحياء في كتابه ، والصلاة على الميت لا على الحي ، ولنا ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد صلاة الجنازة } حتى روي { أنه صلى على حمزة سبعين صلاة } وبعضهم أولوا ذلك بأنه كان يؤتى بواحد ، واحد فيصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمزة رضي الله عنه بين يديه فظن الراوي أنه كان يصلي على حمزة في كل مرة فروى أنه صلى عليه سبعين صلاة ، ويحتمل أنه كان ذلك على حسب الرواية ، وكان مخصوصا بتلك الكرامة ، وما روي عن جابر رضي الله عنه فغير صحيح ، وقيل : إنه كان يومئذ مشغولا فإنه قتل أبوه ، وأخوه ، وخاله فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إلى المدينة فلم يكن حاضرا حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فلهذا روى ما روى ، ومن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم قد روي أنه صلى عليهم ثم سمع جابر منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدفن القتلى في مصارعهم فرجع فدفنهم فيها ; ولأن الصلاة على الميت لإظهار كرامته ، ولهذا اختص بها المسلمون دون الكفرة ، والشهيد ، أولى بالكرامة ، وما ذكر من حصول الطهارة بالشهادة ، فالعبد وإن جل قدره لا يستغني عن الدعاء ألا ترى أنهم صلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أن درجته كانت فوق درجة الشهداء وإنما وصفهم بالحياة في حق أحكام الآخرة ألا ترى إلى قوله تعالى { بل أحياء عند ربهم يرزقون } ، فأما في حق أحكام الدنيا فالشهيد ميت يقسم ماله ، وتنكح امرأته بعد انقضاء العدة ، ووجوب الصلاة عليه من أحكام الدنيا فكان ميتا فيه فيصلى عليه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث