الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان حقيقة الفكر وثمرته

وأما ثمرة الفكر فهي العلوم والأحوال والأعمال ولكن ثمرته الخاصة .

العلم لا غير .

نعم إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح .

فالعمل تابع الحال ، والحال تابع العلم ، والعلم تابع الفكر .

فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا هو الذي يكشف لك فضيلة التفكر وأنه خير من الذكر والتذكر ؛ لأن الفكر ذكر وزيادة .

وذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذكر .

فإذن التفكر أفضل من جملة الأعمال ، ولذلك قيل : تفكر ساعة خير من عبادة سنة فقيل : هو الذي ينقل من المكاره إلى المحاب ، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة ، وقيل : هو الذي يحدث مشاهدة وتقوى ، ولذلك قال تعالى لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا وإن أردت أن تفهم كيفية تغير الحال بالفكر فمثاله ما ذكرناه من أمر الآخرة ، فإن الفكر يعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار ، فإذا رسخت هذه المعرفة يقينا .

في قلوبنا تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا .

وهذا ما عنيناه بالحال إذ كان حال القلب قبل هذه المعرفة حب العاجلة والميل إليها والنفرة عن الآخرة وقلة الرغبة فيها .

وبهذه المعرفة تغير حال القلب وتبدلت إرادته ورغبته ثم أثمر تغير الإرادة أعمال الجوارح في إطراح الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة .

فههنا خمس درجات أولاها التذكر وهو إحضار المعرفتين في القلب وثانيتها التفكر وهو طلب المعرفة المقصودة منهما والثالثة حصول المعرفة المطلوبة واستنارة القلب بها .

والرابعة تغير حال القلب عما كان بسبب حصول نور المعرفة .

والخامسة خدمة الجوارح للقلب بحسب ما يتجدد له من الحال .

فكما يضرب الحجر على الحديد فيخرج منه نار . يستضيء بها الموضع فتصير العين مبصرة بعد أن لم تكن مبصرة وتنتهض الأعضاء للعمل ، فكذلك زناد نور المعرفة هو الفكر فيجمع بين المعرفتين كما يجمع بين الحجر والحديد ويؤلف بينهما تأليفا مخصوصا كما يضرب الحجر على الحديد ضربا مخصوصا فينبعث نور المعرفة كما تنبعث النار من الحديد ويتغير القلب بسبب هذا النور حتى يميل إلى ما لم يكن يميل إليه كما يتغير البصر بنور النار فيرى ما لم يكن يراه .

ثم تنتهض الأعضاء للعمل بمقتضى حال القلب كما ينتهض العاجز عن العمل بسبب الظلمة للعمل عند إدراك البصر ما لم يكن يبصره .

فإذن ثمرة الفكر العلوم والأحوال والعلوم لا نهاية لها والأحوال التي تتصور أن تتقلب على القلب لا يمكن حصرها .

ولهذا لو أراد مريد أن يحصر فنون الفكر ومجاريه وأنه فيماذا يتفكر لم يقدر عليه لأن مجاري الفكر غير محصورة وثمراته غير متناهية ، نعم نحن نجتهد في ضبط مجاريه بالإضافة إلى مهمات العلوم الدينية وبالإضافة إلى الأحوال التي هي مقامات السالكين ويكون ذلك ضبطا جمليا فإن تفصيل ذلك يستدعي شرح العلوم كلها ، وجملة هذه الكتب كالشرح لبعضها فإنها مشتملة على علوم تلك العلوم تستفاد من أفكار مخصوصة .

فلنشر إلى ضبط المجامع فيها ليحصل الوقوف على مجاري الفكر .

التالي السابق


(وأما ثمرة الفكر فهي العلوم والأحوال والأعمال) الحاصلة من العلوم (ولكن ثمرته الخاصة العلم لا غير) ، والحال والعمل ينشأن من العلم (نعم إذا حصل العلم في القلب) واستقر فيه ولم يعرضه شك وغفلة (تغير حال القلب وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح، فالعمل تابع الحال، والحال تابع العلم، والعلم تابع الفكر، فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها) لأن العلوم والأحوال هما البضاعة التي يقع بها الاتجار، وهذا هو السر في تقديم بعض العارفين كتاب التفكر على سائر كتب المنجيات (وهذا هو الذي يكشف لك عن فضيلة التفكر وأنه خير من الذكر والتذكر؛ لأن في التفكر ذكرا وزيادة، وذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذكر) ، وقد سبق للمصنف تحقيق أن المحبة الناشئة عن التفكر أفضل من المحبة الناشئة عن التذكر، والعلة أن التفكر رؤية، والذكر سماع، هذا معنى كلامه رضي الله عنه في كتاب ترتيب الأوراد، وقد نقل القشيري رحمه الله تعالى في رسالته عن أحد المشايخ أن الذكر أفضل من الفكر لأن الله يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر، وهذا فيه نظر لأن من عرف حقيقة التفكر علم أنه ذكر وزيادة معرفة مقتضية وعلى الجملة فلا يزال الفكر أفضل من الذكر لأنه مقصود إلى أن ينتهي إلى حد ينقطع فيه الفكر ويبقى الذكر مجردا عن الأدلة، فهذا الذكر أفضل من الفكر بلا خلاف والله أعلم، (فإذا التفكر أفضل من جملة الأعمال، ولذلك قيل: تفكر ساعة خير من عبادة سنة) تقدم الكلام عليه قريبا واختلف فيه (فقيل: هو الذي ينقل من المكاره إلى المحاب، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة، وقيل: هو الذي يحدث مشاهدة وتقوى، ولذلك قال تعالى لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا وإن أردت أن تفهم كيفية تغير الحال بالفكر فمثاله ما ذكرناه من أمر الآخرة، فإن الفكر فيه يعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار، فإذا رسخت هذه المعرفة يقينا في قلوبنا) بأن لا يعتريها شك مع الفراغ عن غيرها (تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا) من غير أن تشعر بذلك التغير (وهذا ما عنيناه بالحال إذا كان حال القلب قبل هذه المعرفة حب العاجلة والميل إليها والنفرة عن الآخرة وقلة الرغبة فيها، وبهذه المعرفة تغير حال القلب وتبدلت إرادته ورغبته) ، وإنما سمي الحال حالا لتغيره من شأن إلى شأن (ثم أثمر تغير الإرادة أعمال الجوارح في إطراح الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة) ، وبه ظهر أن العمل تابع الحال والحال تابع المعرفة والمعرفة تتبع الفكر، (فههنا خمس درجات أولها التذكر وهو إحضار المعرفتين في القلب) بالشرط المتقدم (وثانيهما التفكر وهو طلب المعرفة المقصودة منهما) أي: من المعرفتين (والثالثة حصول المعرفة المطلوبة واستنارة القلب بها، والرابعة تغير حال القلب عما كان) عليه (بسبب حصول نور المعرفة، والخامسة خدمة الجوارح للقلب بحسب ما يتجدد له من الحال) ، وقد مثل له المصنف بمثال فقال: (فكما يضرب الحجر على الحديد فتخرج منه نار يستضيء بها الموضع فتصير العين مبصرة [ ص: 170 ] بعد أن لم تكن مبصرة وتنتهض الأعضاء للعمل، فكذلك زناد نور المعرفة وهو الفكر فيجمع بين المعرفتين) هما بمنزلة الحديد والحجر (كما يجمع بين الحجر والحديد ويؤلف بينهما تأليفا مخصوصا كما يضرب الحجر على الحديد ضربا مخصوصا فينبعث نور المعرفة كما تنبعث النار من الحديد ويتغير القلب بسبب هذا النور حتى يميل إلى ما لم يكن يميل إليه من قبل كما يتغير البصر بنور النار فيرى ما لم يكن يراه ثم تنتهض الأعضاء للعمل بمقتضى حال القلب كما ينتهض العاجز عن العمل بسبب الظلمة للعمل عند إدراك البصير ما لم يكن يتصوره فإذا ثمرة الفكر العلوم والأحوال و) تلك (العلوم) التي يثمرها الفكر (لا نهاية لها و) تلك (الأحوال التي تتصور أن تتقلب على القلب لا يمكن حصرها) إلا أن الفكر لا يتعلق إلا بالعلوم الكسبية ولا مدخل له في العلوم الإلهامية لأنه مجرد عن وسائط الكسب (ولهذا الوارد مريد أن يحضر فنون الفكر ومجاريه وأنه فيماذا يتفكر لم يقدر عليه لأن مجاري الفكر غير محصورة وثمراته غير متناهية، نعم نحن نجتهد في ضبط مجاريه بالإضافة إلى مهمات العلوم الدينية وبالإضافات إلى الأحوال التي هي مقامات للسالكين) ، وفيه إشعار إلى أن الحال قد يكون مقاما كما مرت الإشارة إليه في أول كتاب التوبة (ويكون ذلك ضبطا جمليا) أي: إجماليا (فإن تفصيل ذلك يستدعي شرح العلوم كلها، وجملة هذه الكتب كالشرح لبعضها فإنها مشتملة على) ذكر (علوم تلك العلوم تستفاد من أفكار مخصوصة) كالتوبة والصبر والخوف والرجاء والفقر والزهد والمحاسبة والحياء والمراقبة والشكر والتوكل والنية والإخلاص والصدق والتوحيد والمحبة فهذه ستة عشر مقاما، ويضاف إليها مقامات أخر حتى تكمل مائة مقام، ما من مقام منها إلا وهو مستفاد من حسن الفكر (فلنشر إلى ضبط المجامع فيها فبه يحصل الوقوف على مجاري الفكر) ومسارحه والله الموفق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث