الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نهيه الناس عن التكلم في الخالق لعجزهم عن معرفة كنه المخلوق



حدثنا أحمد بن إسحاق ، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلم ، ثنا عبد الرحمن بن عمر قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي ، وذكر عنده رجل من الجهمية ، أنهم ذكروا عنده أن الله تبارك وتعالى خلق آدم بيده ، فقال : عجنه بيده ، وحرك بيديه العجين ، فقال عبد الرحمن : " لو استشارني هذا السلطان في الجهمية [ ص: 8 ] لأشرت عليه أن يستتيبهم ، فإن تابوا ، وإلا ضرب أعناقهم " .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا محمد بن أحمد بن عمرو ، ومحمد بن سهل قالا : ثنا عبد الرحمن بن عمر قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي ، يقول لفتى من ولد جعفر بن سليمان الهاشمي : " مكانك " . فقعد حتى تفرق الناس ، ثم قال له : " يا بني ، تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف ، وكل ذلك يجري منك على بال رخي إلا أمرك وما بلغني ; فإن الأمر لا يزال هينا ما لم يصل إليكم - يعني السلطان - فإذا صار إليكم جل وعظم " قال : يا أبا سعيد ، وما ذاك قال : " بلغني أنك تتكلم في الرب وتصفه وتشبهه " قال الغلام : نعم يا أبا سعيد ، نظرنا فلم نر من خلق الله شيئا أحسن ولا أولى من الإنسان . فأخذ يتكلم في الصفة ، فقال له عبد الرحمن : " رويدك يا بني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق ، فإن عجزنا عن المخلوق فنحن عن الخالق أعجز ، أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة ، عن الشيباني قال : سمعت سعيد بن جبير قال : قال عبد الله في قوله : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) . قال : " رأى جبريل له ستمائة جناح " . فبقي الغلام ينظر ، فقال له عبد الرحمن : " يا بني ، فإني أهون عليك المسألة ، وأضع عنك خمسمائة وسبعا وتسعين جناحا . صف لي خلقا بثلاثة أجنحة ، ركب الجناح الثالث منه موضعا غير الموضعين اللذين ركبهما الله عز وجل حتى أعلم . " فقال : يا أبا سعيد ، قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز ; فأشهدك أني قد رجعت عن ذاك ، وأستغفر الله .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، ثنا عبد الرحمن بن محمد ، ثنا عبد الرحمن بن عمر قال : ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع ، واجتهادهم في العبادة فقال : " لا يقبل الله إلا ما كان على الأمر والسنة " . ثم قرأ : ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) فلم يقبل ذلك منهم ووبخهم عليه ، ثم قال : " الزم الطريق والسنة " .

وسمعت عبد الرحمن يكره الجلوس إلى أصحاب الرأي ، وأصحاب الأهواء ، [ ص: 9 ] ويكره أن يجالسهم أو يماريهم فقلت له : أترى للرجل إذا كانت له خصومة ، وأراد أن يكتب عهده أن يأتيهم ؟ قال : " لا ، مشيك إليهم توقير ، وقد جاء فيمن وقر صاحب بدعة ما جاء " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا محمد بن أحمد بن عمرو ، ثنا عبد الرحمن بن محمد ، ثنا عبد الرحمن بن عمر ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، وذكر عنده قوم يقال لهم الشمرية من أصحاب أبي شمر يقولون كذا وكذا ، فقال عبد الرحمن : " ما أخبث قولهم ، يزعمون لو أن رجلا اشترى ثوبا ، وفيه درهم أو دانق من حرام لا تقبل له صلاة ، ولو أن رجلا تزوج امرأة في مهرها درهم من حرام لا تحل له ، وكان وطؤها حراما ، ويقولون : لو أن رجلا ذبح شاة بسكين لرجل لم يأمر به ، أو كان ثمنه من حرام كانت ميتة ، وما رأيت قولا أخبث من قولهم ، فنسأل الله تعالى العافية والسلامة " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا محمد بن أحمد بن عمرو ، ثنا عبد الرحمن بن عمر قال: شهدت عبد الرحمن بن مهدي - وأراد أن يشتري وصيفة له من رجل من أهل بغداد - فلما قام عنه أخبر أنه وضع كتبا من الرأي وابتدع ذلك ، فجعل يقول : نعوذ بالله من شره ، وكان إذا أتاه قربه وأدناه ، فلما جاءه رأيته دخل وعبد الرحمن مريض ، فسلم فلم يرد عليه ، فقعد فقال له : يا هذا ما شيء بلغني عنك ، إنك ابتدعت كتبا ، أو وضعت كتبا في الرأي ، فأراد أن يتقرب إليه بسوء رأيه في أبي حنيفة ، فقال : يا أبا سعيد ، إنما وضعت كتبا ردا على أبي حنيفة ، فقال له : ترد على أبي حنيفة بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الصالحين ؟ فقال : لا ، فقال : إنما ترد على أبي حنيفة بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الصالحين ، فأما ما قلت فرد الباطل بالباطل ، اخرج من داري ، فما كنت أضع أو أتبع حرمة عندك ولو بكذا وكذا ، فذهب يتكلم ، فقال له : محرم عليك أن تتكلم أو تتمكن في داري . فقام وخرج .

[ ص: 10 ] حدثنا أحمد بن إسحاق ، ثنا عبد الرحمن بن محمد ، ثنا عبد الرحمن بن عمر قال : سألت عبد الرحمن بن مهدي ، قلت : نأخذ عن أبي حنيفة ما يأثره وما وافق الحق ، قال : لا ! ولا كرامة ، جاء إلى الإسلام ينقضه عروة عروة لا يقبل منه شيء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث