الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون

واعلم أن للخصم مقامات :

أحدها : أن النظر لا يفيد العلم . وثانيها : أن النظر المفيد للعلم غير مقدور . وثالثها : أنه لا يجوز الإقدام عليه . ورابعها : أن الرسول ما أمر به . وخامسها : أنه بدعة .

أما المقام الأول : فاحتج الخصم عليه بأمور :

أحدها : أنا إذا تفكرنا وحصل لنا عقيب فكرنا اعتقاد فعلمنا بكون ذلك الاعتقاد علما ، إما أن يكون ضروريا أو نظريا ، والأول باطل لأن الإنسان إذا تأمل في اعتقاده في كون ذلك الاعتقاد علما ، وفي اعتقاده في أن الواحد نصف الاثنين ، وأن الشمس مضيئة ، والنار محرقة ، وجد الأول أضعف من الثاني ، وذلك يدل على أن تطرق الضعف إلى الأول والثاني باطل ؛ لأن الكلام في ذلك الفكر الثاني كالكلام في الأول ، فيلزم التسلسل وهو محال .

[ ص: 85 ] وثانيها : أنا رأينا عالما من الناس قد تفكروا واجتهدوا وحصل لهم عقيب فكرهم اعتقاد ، وكانوا جازمين بأنه علم ثم ظهر لهم أو لغيرهم أن ذلك كان جهلا فرجعوا عنه وتركوه ، وإذا شاهدنا ذلك في الوقت الأول جاز أن يكون الاعتقاد الحاصل ثانيا كذلك ، وعلى هذا الطريق لا يمكن الجزم بصحة شيء من العقائد المستفادة من الفكر والنظر .

وثالثها : أن المطلوب إن كان مشعورا به استحال طلبه ؛ لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن كان غير مشعور به كان الذهن غافلا عنه ، والمغفول عنه يستحيل أن يتوجه الطلب إليه .

ورابعها : أن العلم بكون النظر مفيدا للعلم إما أن يكون ضروريا أو نظريا ، فإن كان ضروريا وجب اشتراك العقلاء فيه ، وليس كذلك . وإن كان نظريا لزم إثبات جنس الشيء بفرد من أفراده ، وذلك محال ؛ لأن النزاع لما وقع في الماهية كان واقعا في ذلك الفرد أيضا فيلزم إثبات الشيء بنفسه ، وهو محال ؛ لأنه من حيث أنه وسيلة الإثبات يجب أن يكون معلوما قبل ، ومن حيث إنه مطلوب يجب أن لا يكون معلوما قبل ، فيلزم اجتماع النفي والإثبات وهو محال .

وخامسها : أن المقدمة الواحدة لا تنتج بل المنتج مجموع المقدمتين ، لكن حضور المقدمتين دفعة واحدة في الذهن محال ؛ لأنا جربنا أنفسنا فوجدنا أنا متى وجهنا الخاطر نحو معلوم استحال في ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر ، وربما سلم بعضهم أن النظر في الجملة يفيد العلم لكنه يقول : النظر في الإلهيات لا يفيد ، واحتج عليه بوجهين :

الأول : أن حقيقة الإله غير متصورة وإذا لم تكن الحقيقة متصورة استحال التصديق لا بثبوته ولا بثبوت صفة من صفاته .

بيان الأول أن المعلوم عند البشر كون واجب الوجود منزها عن الحيز والجهة ، وكونه موصوفا بالعلم والقدرة . أما الوجوب والتنزيه فهو قيد سلبي وليست حقيقته نفس هذا السلب . فلم يكن العلم بهذا السلب علما بحقيقته ، وأما الموصوفية بالعلم والقدرة فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هذه الصفات وليست ذاته نفس هذا الانتساب ، فالعلم بهذا الانتساب ليس علما بذاته .

بيان الثاني أن التصديق موقوف على التصور ، فإذا فقد التصور امتنع التصديق ، ولا يقال : ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له لكنها متصورة بحسب لوازمها ؛ أعني أنا نعلم أنه شيء ما ، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام فيحكم على هذا المتصور ، قلنا : هذه الأمور المعلومة إما أن يقال : إنها نفس الذات ، وهو محال ، أو أمور خارجة عن الذات ، فلما لم نعلم الذات لا يمكننا أن نعلم كونها موصوفة بهذه الصفات ، فإن كان التصور الذي هو شرط إسناد هذه الصفات إلى ذاته هو أيضا تصور بحسب صفات أخر ، فحينئذ يكون الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل ، وهو محال .

الوجه الثاني : أن أظهر الأشياء عندنا ذاتنا وحقيقتنا التي إليها نشير بقولنا : أنا . ثم الناس تحيروا في ماهية المشار إليه بقول : أنا ، فمنهم من يقول : هو هذا البنية ، ومنهم من يقول : هو المزاج ، ومنهم من يقول : بعض الأجزاء الداخلة في هذه البنية ، ومنهم من يقول : شيء لا داخل هذا البدن ولا خارجه ، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك فما ظنك بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا .

[ ص: 86 ] أما المقام الثاني : وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا ، فقد احتجوا عليه بوجوه :

أحدها : أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير مقدورة ، فجميع التصديقات غير مقدورة ، وإنما قلنا : إن التصورات غير مقدورة ؛ لأن طالب تحصيلها إن كان عارفا بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال ، فإن كان غافلا عنها استحال كونه طالبا لها لأن الغافل عن الشيء لا يكون طالبا له .

فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون معلوما من وجه ومجهولا من وجه ؟ قلنا : لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير معلوم ، وإلا فقد صدق النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال ، وحينئذ نقول : الوجه المعلوم استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل ، والوجه الذي هو غير معلوم استحال طلبه ؛ لأن المغفول عنه لا يكون مطلوبا ، وإنما قلنا : إن التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون التصديقات البديهية كسبية ، وذلك لأن عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من القضية البديهية إما أن يلزم من مجرد حضورهما جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات ، أو لا يلزم ، فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة . وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما ، وما يكون واجب الدوران نفيا وإثباتا مع ما لا يكون مقدورا نفيا وإثباتا وجب أن يكون أيضا كذلك ، فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية ؛ وإنما قلنا : إن هذه التصديقات لما لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبيا ؛ لأن التصديق الذي لا يكون بديهيا لا بد وأن يكون نظريا ، فلا يخلو إما أن يكون واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا يكون ، فإن لم يكن واجب اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب ، فلم يكن ذلك استدلالا يقينيا ، بل إما ظنا أو اعتقادا تقليديا ، وإن كان واجبا فكانت تلك النظريات واجبة الدوران نفيا وإثباتا مع تلك القضايا الضرورية ، فوجب أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدورا للعبد أصلا .

وثانيها : أن الإنسان إنما يكون قادرا على إدخال الشيء في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك المطلوب عن غيره ، والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه مطابقا للمعلوم دون الجهل ، وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه ، فإذن لا يمكنه إيجاد العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالما بذلك الشيء ، لكن ذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل ، فوجب أن لا يكون العبد متمكنا من إيجاد العلم ولا من طلبه .

وثالثها : أن الموجب للنظر ، إما ضرورة العقل أو النظر أو السمع . والأول باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه ، ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك ، بل كثير من العقلاء يستقبحونه ، ويقولون : إنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل ، فوجب الاحتراز منه .

والثاني أيضا باطل ؛ لأنه إذا كان العلم بوجوبه يكون نظريا ، فحينئذ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر ، فتكليفه بذلك يكون تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر ؛ لأنه لا فائدة فيه .

والثالث باطل ؛ لأنه قبل النظر لا يكون متمكنا من معرفة وجوب النظر ، وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضا لعدم الفائدة ، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث