الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة طلق في نفسه

جزء التالي صفحة
السابق

1959 - مسألة : ومن طلق في نفسه لم يلزمه الطلاق .

برهان ذلك - : الخبر الثابت عن رسول الله { عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تخرجه بقول أو عمل } أو كما قال عليه الصلاة والسلام فصح أن حديث النفس ساقط ما لم ينطق به .

وكذلك العتق في النفس ، والمراجعة في النفس ، والهبة والصدقة في النفس ، والإسلام في النفس ، كل ذلك ليس بشيء - .

وللسلف في ذلك ثلاثة أقوال - : أحدها - كما قلنا : روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء قال : إذا طلق في نفسه فليس بشيء - .

وبه إلى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء جابر بن زيد قال : إذا طلق في نفسه فليس بشيء .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء : ليس طلاقه ولا عتاقه في نفسه شيئا - قال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار أن رجلا طلق امرأته في نفسه فانتزعت منه ؟ فقال جابر بن زيد : لقد ظلم .

وروينا ذلك أيضا عن الشعبي .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن قالا جميعا : من طلق في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء . [ ص: 458 ]

وبه يقول أبو حنيفة ، والشافعي ، وأبو سليمان ، وأصحابهم .

وقول ثان - كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر قال سئل عنها ابن سيرين فقال : أليس قد علم الله ما في نفسك ؟ قال : بلى ، قال : فلا أقول فيها شيئا - فهذا توقف .

وقول ثالث - إنه طلاق ، روي عن الزهري ، ورواه أشهب عن مالك .

قال أبو محمد : الفرض والورع أن لا يحكم حاكم ولا يفتي مفت بفراق زوجة عقد نكاحها بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بغير قرآن أو سنة ثابتة .

واحتج من ذهب إلى هذا القول بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى } .

قال أبو محمد : وهذا الخبر حجة لنا عليهم ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفرد فيه النية عن العمل ، ولا العمل عن النية ، بل جمعهما جميعا ، ولم يوجب حكما بأحدهما دون الآخر - وهكذا نقول : إن من نوى الطلاق ولم يلفظ به ، أو لفظ به ولم ينوه فليس طلاق ، إلا حتى يلفظ به وينويه ، إلا أن يخص نص شيئا من الأحكام بإلزامه بنية دون عمل ، أو بعمل دون نية ; فنقف عنده - وبالله تعالى التوفيق .

واحتجوا أيضا - بأن قالوا : إنكم تقولون : من اعتقد الكفر بقلبه فهو كافر وإن لم يلفظ به ؟ وتقولون : إن المصر على المعاصي عاص آثم معاقب بذلك ؟ وتقولون : إن من قذف محصنة في نفسه فهو آثم ، ومن اعتقد عداوة مؤمن ظلما فهو عاص لله عز وجل - وإن لم يظهر ذلك بقول أو فعل .

ومن أعجب بعلمه أو راءى فهو هالك ؟ قلنا : أما اعتقاد الكفر ، فإن القرآن قد جاء بذلك نصا ، قال تعالى : { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } فخرج هؤلاء بنصوص القرآن والسنن عما عفي عنه .

وأيضا - فإن العفو عن حديث النفس إنما هو عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم [ ص: 459 ] فضيلة لهم بنص الخبر ، ومن أسر الكفر فليس من أمته عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن هذه الفضيلة .

وأما المصر على المعاصي فليس كما ظننتم ؟ صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : { من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه } .

فصح أن المصر الآثم بإصراره هو الذي عمل السيئة ثم أصر عليها - فهذا جمع نية السوء والعمل السوء معا .

وأما من قذف محصنة في نفسه فقد نهاه الله عز وجل عن الظن السوء ، وهذا ظن سوء ، فخرج عما عفي عنه بالنص ، ولا يحل أن يقاس عليه غيره فيخالف النص الثابت في عفو الله عز وجل عن ذلك .

وأما من اعتقد عداوة مسلم فإن لم يضر به بعمل ولا بكلام فإنما هو بغضة والبغضة التي لا يقدر المرء على صرفها عن نفسه لا يؤاخذ بها ، فإن تعمد ذلك فهو عاص ، لأنه مأمور بموالاة المسلم ومحبته ، فتعدى ما أمره الله تعالى به ، فلذلك أثم .

وهكذا الرياء والعجب قد صح النهي عنهما ، ولم يأت نص قط بإلزام طلاق ، أو عتاق ، أو رجعة ، أو هبة ، أو صدقة بالنفس ، لم يلفظ بشيء من ذلك ، فوجب أنه كله لغو - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث