الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا

قل هلم شهداءكم أي أحضروهم للشهادة وهو اسم فعل لا يتصرف عند أهل الحجاز وفعل يؤنث ويثنى ويجمع عند بني تميم وهو مبني على ما اشتهر من أن ما ذكر من خصائص الأفعال .

وعن أبي علي الفارسي أن الضمائر قد تتصل بالكلمة وهي حرف كليس أو اسم فعل كهات لمناسبتها للأفعال وعلى هذا تكون هلم اسم فعل مطلقا كما في شرح التسهيل وعليه الرضي حيث قال : وبنو تميم يصرفونه فيذكرونه ويؤنثونه ويجمعونه نظرا إلى أصله وأصله عند البصريين هالم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام لأن أصله ألمم وعند الكوفيين هل أم فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام وحذفت كما هو القياس واستبعد بأن هل لا تدخل الأمر ودفع بما نقله الرضي عنهم من أن أصل هل أم هلا أم وهلا كلمة استعجال بمعنى أسرع فغير إلى هل لتخفيف التركيب ثم فعل به ما فعل ويكون متعديا بمعنى أحضر وائت ولازما بمعنى أقبل كما في قوله تعالى : هلم إلينا الذين يشهدون أن الله حرم هذا وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم وإظهار أن لا متمسك لهم كمقلديهم ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ووصفوا بما يدل على أنهم شهداء معرفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم وهذا إشارة إلى ما حرموه من الأنعام على ما حكته الآيات السابقة .

[ ص: 53 ] وقال مجاهد : إشارة إلى البحائر والسوائب فإن شهدوا أي أولئك الشهداء المعرفون بالباطل بعد ما حضروا بأن الله حرم هذا فلا تشهد معهم أي فلا تصدقهم فإنه كذب بحت وبين لهم فساده لأن تسليمه منهم موافقة لهم في الشهادة الباطلة والسكوت قد يشعر بالرضا وإرادة هذا المعنى من ( لا تشهد ) إما على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل من ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأن الشهادة من لوازم التسليم أو الكناية أو هو من باب المشاكلة ومن الناس من زعم أن ضمير شهدوا للمشركين أي فإن لم يجدوا شاهدا يشهد بذلك فشهدوا بأنفسهم لأنفسهم فلا تشهد وهو في غاية البعد وأبعد منه بل هو للفساد أقرب قول من زعم أن المراد هلم شهداءكم من غيركم فإن لم يجدوا ذلك لأن غير العرب لا يحرمون ما ذكر وشهدوا بأنفسهم فلا تصدقهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا من وضع المظهر موضع المضمر للإيماء إلى أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير وإن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقا بها والخطاب قيل لكل من يصلح له وقيل : لسيد المخاطبين والمراد أمته .

والذين لا يؤمنون بالآخرة كعبدة الأوثان عطف على الموصول الأول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتحاد الموصوف فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس وزعم بعضهم أن المراد بالموصول الأول المكذبون مع الإقرار بالآخرة كأهل الكتابين وبالموصول الثاني المكذبون مع إنكار الآخرة ولا يخفى ما فيه وهم بربهم يعدلون (150) أي يجعلون له عديلا أي شريكا فهو كقوله تعالى : هم به مشركون وقيل : يعدلون بأفعاله عنه سبحانه وينسبونها إلى غيره عز وجل وقيل : يعدلون بعبادتهم عنه تعالى والجملة عطف على لا يؤمنون والمعنى لا تتبع الذين يجمعون بين التكذيب بالآيات والكفر بالآخرة والإشراك بربهم عز وجل لكن لا على أن مدار النهي الجمع المذكور بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بها وقيل : الجملة في موضع الحال من ضمير ( لا يؤمنون )

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث