الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا

فاستقم كما أمرت لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب سبحانه في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة مثل الاستقامة التي أمر بها، وهذا يقتضي أمره صلى الله عليه وسلم بوحي آخر ولو غير متلو كما قاله غير واحد، والظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسط بين الإفراط والتفريط، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق فتشمل العقائد والأعمال المشتركة بينه صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين والأمور الخاصة به عليه الصلاة والسلام من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف النبوة وتحمل أعباء الرسالة وغير ذلك، وقد قالوا: إن التوسط بين الإفراط والتفريط بحيث لا يكون ميل إلى أحد الجانبين قيد عرض شعرة مما لا يحصل إلا بالافتقار إلى الله تعالى ونفي الحول والقوة بالكلية، ومثلوا الأمر المتوسط بين ذينك الطرفين بخط يكون بين الشمس والظل ليس بشمس ولا ظل بل هو أمر فاصل بينهما ولعمري إن ذلك لدقيق، ولهذا قالوا: لا يطيق الاستقامة إلا من أيد بالمشاهدات القوية والأنوار السنية ثم عصم بالتشبث بالحقولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ، وجعل بعض العارفين الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف إشارة إلى هذا المنهج المتوسط، ومما يدل على شدة هذا الأمر ما أخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "شمروا شمروا" وما رؤي بعدها ضاحكا.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما نزلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم آية أشد من هذه الآية ولا أشق، واستدل بعض المفسرين على عسر الاستقامة بما شاع من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "شيبتني هود" وأنت تعلم أن الأخبار متضافرة بضم سور أخرى إليها وإن اختلفت في تعيين المضموم كما مر أول السورة، وحينئذ لا يخفى ما في الاستدلال من الخفاء، ومن هنا قال صاحب الكشف: التخصيص بهود لهذه الآية غير لائح إذ ليس في الأخوات ذكر الاستقامة.

وذكر في قوت القلوب أنه لما كان القريب الحبيب صلى الله تعالى عليه وسلم شيبه ذكر البعد وأهله ثم قال: ولعل الأظهر أنه عليه الصلاة والسلام شيبه ذكر أهوال القيامة، وكأنه -بأبي هو وأمي- شاهد منه يوما يجعل الولدان شيبا، انتهى.

وبعضهم للتخصيص برؤيا أبي علي الشتري السابقة وفيه بعد تسليم صحة الرواية إن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت حقا حيث إن الشيطان لا يتمثل به عليه الصلاة والسلام، إلا أنه من أين يجزم بضبط الرائي وتحقيقه ما رأى على أن مما يوهن أمر هذه الرؤيا ويقوي ظن عدم ثبوتها ما أخرجه ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "شيبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبلي"، وذكر الشهاب ما يقوي اعتراض صاحب الكشف من أنه ليس في الطرق المروية في هذا الباب الاقتصار على هود بل ذكر معها أخواتها وليس فيها الأمر المذكور مع أنه وقع في غيرها من آل حميم، ثم ذكر أنه لاح له ما يدفع الإشكال؛ وذلك أن مبنى هذه السورة الكريمة على إرشاده تعالى شأنه نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى مختتمها، وإلى ما يعتري من تصدى لهذه المرتبة السنية من الشدائد واحتماله لما يترتب عليه من الفوائد لا على التسلية إذ لا يطابق المقام حسبما تقدم لك عن صاحب الكشف، ولما كانت هذه السورة جامعة لإرشاده من أول أمره إلى آخره وهذه الآية فذلكة لها فحينما نزلت هذه السورة هاله ما فيها من الشدائد وخاف من عدم القيام بأعبائها [ ص: 153 ] حتى إذا لقي الله تعالى في يوم الجزاء ربما مسه نصب من السؤال عنها، فذكر القيامة في تلك السور يخوفه هولها لاحتمال تفريطه فيما أرشده الله تعالى له في هذه، وهذا لا ينافي عصمته عليه الصلاة والسلام وقربه لكونه الأعلم بالله تعالى والأخوف منه، فالخوف منها يذكره بما تضمنته هذه السورة، فكأنها هي المشيبة له صلى الله عليه وسلم من بينها؛ ولذا بدأ بها في جميع الروايات، ولما كانت تلك الآية فذلكة لها كانت هي المشيبة في الحقيقة فلا منافاة بين نسبة التشييب لتلك السور ولا لهذه السورة وحدها كما فعله من فعله، ولا لتلك الآية كما وقع في تلك الرؤيا، انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى وجه آخر لنسبة التشييب لهذه السورة فليتأمل، وذهب بعض المحققين إلى كون الكاف في (كما) بمعنى على كما في قولهم: كن كما أنت عليه، أي على ما أنت عليه، ومن هنا قال ابن عطية وجماعة: المعنى استقم على القرآن، وقال مقاتل: امض على التوحيد، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: استقم على الأخبار عن الله تعالى بصحة العزم، والأظهر إبقاء ما على العموم، أي استقم على جميع ما أمرت به، والكلام في حذف مثل هذا الضمير أمر شائع، وقد مر التنبيه عليه، ومال بعضهم إلى كون الكاف للتشبيه حسبما هو الظاهر منها إلا أنه قال: إنها في حكم مثل، في قولهم: مثلك لا يبخل، فكأنه قيل: استقم الاستقامة التي أمرت بها فرارا من تشبيه الشيء بنفسه، ولا يخفى أنه ليس بلازم، ومن الغريب ما نقل عن أبي حيان أنه قال في تذكرته: فإن قلت: كيف جاء هذا التشبيه للاستقامة بالأمر؟ قلت: هو على حذف مضاف تقديره مثل مطلوب الأمر أي مدلوله، فإن قلت: الاستقامة المأمور بها هي مطلوب الأمر فكيف يكون مثلا لها؟ قلت: مطلوب الأمر كلي والمأمور جزئي فحصلت المغايرة وصح التشبيه كقولك: صل ركعتين كما أمرت، وأبعد بعضهم فجعل الكاف بمعنى على واستفعل للطلب كاستغفر الله تعالى أي اطلب الغفران منه، وقال: المعنى اطلب الإقامة على الدين.

ومن تاب معك أي تاب من الشرك وآمن معك، فالمعية باعتبار اللازم من غير نظر إلى ما تقدمه وغيره، وقد يقال: يكفي الاشتراك في التوبة والمعية فيها مع قطع النظر عن المثوب عنه، وقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم يستغفر الله تعالى في اليوم أكثر من سبعين مرة، واستظهر ذلك الجلبي، و (من) على ما اختاره أبو حيان. وجماعة عطف على الضمير المستكن في واستقم وأغنى الفصل بالجار والمجرور عن تأكيده بضمير منفصل لحصول الغرض به، وفي الكلام تغليب لحكم الخطاب على الغيبة في لفظ الأمر، واختار كثير أنه فاعل لفعل محذوف وليستقم من.. إلخ.. لأن الأمر لا يرفع الظاهر، وحينئذ فالجملة معطوفة على الجملة الأولى، ومن ذهب إلى الأول رجحه بعدم احتياجه إلى التقدير ودفع المحذور بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.

وجوز أبو البقاء كونه منصوبا على أنه مفعول معه، والمعنى استقم مصاحبا لمن تاب، قيل: وهو في المعنى أتم وإن كان في اللفظ نوع نبوة عنه.

وقيل: إنه مبتدأ والخبر محذوف أي فليستقم، وجوز كون الخبر (معك ولا تطغوا أي لا تنحرفوا عما حد لكم بإفراط أو تفريط فإن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، وسمي ذلك طغيانا وهو مجاوزة الحد تغليظا أو تغليبا لحال سائر المؤمنين على حاله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعن ابن عباس أن المعنى لا تطغوا في القرآن فتحلوا وتحرموا ما لم تؤمروا به.

وقال ابن زيد: لا تعصوا ربكم، وقال مقاتل: لا تخلطوا التوحيد بالشرك، ولعل الأول أولى.

إنه بما تعملون بصير فيجازيكم على ذلك وهو تعليل للأمر والنهي السابقين كأنه قيل: استقيموا ولا تطغوا [ ص: 154 ] لأن الله تعالى ناظر لأعمالكم فيجازيكم عليها، وقيل: إنه تتميم للأمر بالاستقامة، والأول أحسن وأتم فائدة، وقرأ الحسن والأعمش –يعملون- بياء الغيبة، وروي ذلك عن عيسى الثقفي أيضا، وفي الآية -على ما قال غير واحد- دليل على وجوب اتباع المنصوص عليه من غير انحراف بمجرد التشهي وإعمال العقل الصرف، فإن ذلك طغيان وضلال، وأما العمل بمقتضى الاجتهاد التابع لعلل النصوص فذلك من باب الاستقامة كما أمر على موجب النصوص الآمرة بالاجتهاد، وقال الإمام: وعندي لا يجوز تخصيص النص بالقياس لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله تعالى: فاستقم كما أمرت والعمل بالقياس انحراف عنه، ولذا لما ورد القرآن بالأمر بالوضوء وجيء بالأعضاء مرتبة في اللفظ وجب الترتيب فيها، ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل، والبقر من البقر وجب اعتبارها، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به كل ذلك للأمر بالاستقامة كما أمر، انتهى.

وأنت تعلم أن إيجاب الترتيب في الوضوء لذلك ليس بشيء ويلزمه أن يوجب الترتيب في الأوامر المتعاطفة بالواو مثل (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وكذا في نحو واستعينوا بالصبر والصلاة بعين ما ذكر في الوضوء وهو كما ترى، وكأنه عفا الله تعالى عنه يجزم بأن الحنفية الذين لا يوجبون الترتيب في أعمال الوضوء طاغون خارجون عما حد الله تعالى لا احتمال للقول بأنهم مستقيمون وهو من الظلم بمكان

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث