الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا كالذين قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء أو قال أوحي إلي من جهته تعالى ولم يوح إليه أي والحال أنه لم يوح إليه شيء كمسيلمة والأسود العنسي ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله أي أنا قادر على مثل ذلك النظم كالذين قالوا : لو نشاء لقلنا مثل هذا وتفسير الأول بما ذكرناه لم نقف عليه لغيرنا وتفسير الثاني ذهب إليه الزمخشري وغيره، وتفسير الثالث ذهب إليه الزجاج ومن وافقه وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج أن قوله سبحانه : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء نزلت في مسيلمة الكذاب، والأخير نزل في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وجعل بعضهم على هذا عطف (أو قال) الأول على (افترى) إلخ من عطف التفسير

وتعقب بأنه لا يكون بـ (أو) واستحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان و (أو) للتنويع يعني أنه تارة ادعى أن الله تعالى بعثه نبيا وأخرى أن الله تعالى أوحى إليه وإن كان يلزم النبوة في نفس الأمر الإيحاء ويلزم الإيحاء النبوة، ويفهم من صنيع بعضهم أن (أو) بمعنى الواو. وأما ابن أبي سرح فلم يدع صريحا القدرة ولكن [ ص: 223 ] قد يقتضيها كلامه على ما يفهم من بعض الروايات. وفسر بعضهم الثاني بعبد الله ودعواه ذلك على سبيل الترديد، فقد روي أن عبد الله بن سعد كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فكتب له شيئا فلما نزلت الآية في المؤمنين: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله سبحانه: ثم أنشأناه خلقا آخر عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله : هكذا أنزلت علي فشك حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال، وجعل الشق الثاني في معنى دعوى القدرة على المثل فيصح تفسير الثاني والثالث به لا يصح إلا إذا اعتبر عنوان الصلة في الأخير من باب المماشاة مثلا كما لا يخفى. واعتبر الإمام عموم افتراء الكذب على الله تعالى وجعل المعطوف عليه نوعا من الأشياء التي وصفت بكونها افتراء ثم قال : والفرق بين هذا القول وما قبله أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه فيما يكذب به ولم ينكر نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وفي الثاني أثبت الوحي لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام فكان جمعا بين أمرين عظيمين من الكذب: إثبات ما ليس بموجود، ونفي ما هو موجود، انتهى. وفيه عدول عن الظاهر حيث جعل ضمير (إليه) راجعا للنبي صلى الله عليه وسلم والواو في ولم يوح للعطف والمتعاطفان مقول القول؛ والمنساق للذهن جعل الضمير لـ (من) والواو للحال وما بعدها من كلامه سبحانه وتعالى؛ وربما يقال لو قطع النظر عن سبب النزول : إن المراد بمن افترى على الله كذبا من أشرك بالله تعالى أحدا بحمل افتراء الكذب على أعظم أفراده وهو الشرك، وكثير من الآيات يصدح بهذا المعنى، وبمن قال : أوحي إلي والحال لم يوح إليه مدعي النبوة كاذبا وبمن قال سأنزل مثل ما أنزل الله الطاعن في نبوة النبي عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل : من أظلم ممن أشرك بالله عز وجل أو ادعى النبوة كاذبا أو طعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد تقدم الكلام على مثل هذه الجملة الاستفهامية فتذكر وتدبر

ولو ترى أي تبصر. ومفعوله محذوف لدلالة الظرف في قوله تعالى : إذ الظالمون عليه ثم لما حذف أقيم الظرف مقامه؛ والأصل: لو ترى الظالمين إذ هم، و (إذ) ظرف لـ (ترى) و الظالمون مبتدأ، وقوله تعالى : في غمرات الموت خبره، وإذ ظرف لـ (ترى) . وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر، وقيل : المفعول (إذ) والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه، وجواب الشرط محذوف أي لرأيت أمرا فظيعا هائلا، والمراد بالظالمين ما يشمل الأنواع الثلاثة من الافتراء والقولين الأخيرين والغمرة -كما قال الشهاب في الأصل- : المرة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة، ومنه قول المتنبي : وتسعدني في غمرة بعد غمرة سبوح لها منها عليها شواهد والمراد هنا سكرات الموت كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والملائكة الذين يقبضون أرواحهم وهم أعوان ملك الموت باسطو أيديهم أي بالعذاب، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم قائلين لهم أخرجوا أنفسكم أي خلصوها مما أنتم فيه من العذاب، والأمر للتوبيخ والتعجيز، وذهب بعضهم أن هذا تمثيل لفعل الملائكة في [ ص: 224 ] قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج ما لي عليك الساعة ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك، وفي الكشف أنه كناية عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك، واستظهر ابن المنير أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية، وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها

اليوم المراد به مطلق الزمان لا المتعارف عليه، وهو إما حين الموت أو ما يشمله وما بعده تجزون عذاب الهون أي المشتمل على الهوان والشدة. والإضافة كما في رجل سوء تفيد أنه متمكن في ذلك لأن الاختصاص الذي تفيده الإضافة أقوى من اختصاص التوصيف، وجوز أن تكون الإضافة على ظاهرها لأن العذاب قد يكون للتأديب لا للهوان والخزي. ومن الناس من فسر غمرات الموت بشدائد العذاب في النار فإنها وإن كانت أشد من سكرات الموت في الحقيقة إلا أنها استعملت فيها تقريبا للإفهام، وبسط الملائكة أيديهم بضربهم للظالمين في النار بمقامع من حديد، والإخراج بالإخراج من النار وعذابها، واليوم باليوم المعلوم بما كنتم تقولون مفترين على الله غير الحق من نفي إنزاله على بشر شيئا وادعاء الوحي أو من نسبة الشرك إليه ودعوى النبوة كذبا ونفيها عمن اتصف بها حقيقة أو نحو ذلك. وفي التعبير بـ (غير الحق) عن الباطل ما لا يخفى وهو مفعول تقولون ، وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولا غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون

93

- أي تعرضون فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث