الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار

جزء التالي صفحة
السابق

سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال

وسارب : ذاهب في سربه بالفتح أي: في طريقه ووجهه، يقال: سرب في الأرض سروبا، والمعنى: سواء عنده من استخفي: أي طلب الخفاء في مختبأ بالليل: في ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهرا بالنهار يبصره كل أحد .

فإن قلت: كان حق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب; وإلا فقد تناول واحدا هو [ ص: 337 ] مستخف وسارب.

قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أن قوله: "وسارب": عطف على "من هو مستخف"، لا على "مستخف".

والثاني: أنه عطف على "مستخف"; إلا أن "من" في معنى الاثنين، كقوله [من الطويل]:


.............................. ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان



كأنه قيل: سواء منكم اثنان: مستخف بالليل، وسارب بالنهار، والضمير في "له": مردود على "من"; كأنه قيل: لمن أسر ومن جهر، ومن استخفي ومن سرب، "معقبات": جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله: وجاء المعذرون [التوبة: 90]، بمعنى: المعتذرون، [ ص: 338 ] ويجوز "معقبات"; بكسر العين ولم يقرأ به، أو هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأن بعضهم يعقب بعضا، أو: لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه، يحفظونه من أمر الله : هما صفتان جميعا، وليس "من أمر الله": بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله، أو يحفظونه من أجل أمر الله، أي: من أجل أن الله أمرهم بحفظه، والدليل عليه قراءة علي -رضي الله عنه - وابن عباس ، وزيد بن علي ، وجعفر بن محمد، وعكرمة : "يحفظونه بأمر الله"، أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب، كقوله: قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن [الأنبياء: 42]، وقيل: المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في توهمه وتقديره من أمر الله، أي: من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به، وقرئ: "له معاقيب": جمع معقب أو معقبة، والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير، إن الله لا يغير ما بقوم : من العافية والنعمة، حتى يغيروا ما بأنفسهم : من الحال الجميلة بكثرة المعاصي، من وال : ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث