الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا فسر النبي ألفاظ القرآن والحديث فلا تحتاج إلى بيان من أحد

والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار . فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فيها أحد ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء ولكن " الأقوال المنحرفة " قول من يقول بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة . وقول غلاة المرجئة الذين يقولون : ما نعلم أن أحدا منهم يدخل النار ; بل نقف في هذا كله . وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام . [ ص: 298 ] ويقال للخوارج : الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان ; هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام ; بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع ولم يقتل أحدا إلا الزاني المحصن ولم يقتله قتل المرتد ; فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة . فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر . وبسبب الكلام في " مسألة الإيمان " تنازع الناس هل في اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها في اللغة أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة لكن الشارع زاد في أحكامها لا في معنى الأسماء ؟ . وهكذا قالوا في اسم " الصلاة " و " الزكاة " و " الصيام " " والحج " إنها باقية في كلام الشارع على معناها اللغوي لكن زاد في أحكامها . ومقصودهم أن الإيمان هو مجرد التصديق وذلك يحصل بالقلب واللسان . وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة . والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة كما يستعمل نظائرها كقوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } فذكر حجا خاصا وهو حج البيت وكذلك قوله : { فمن حج البيت أو اعتمر } فلم يكن [ ص: 299 ] لفظ الحج متناولا لكل قصد بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة والشاعر إذا قال :

واشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا

كان متكلما باللغة وقد قيد : لفظه : بحج سب الزبرقان المزعفر . ومعلوم أن ذلك الحج المخصوص دلت عليه الإضافة فكذلك الحج المخصوص الذي أمر الله به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام : فإذا قيل : الحج فرض عليك كانت لام العهد تبين أنه حج البيت وكذلك " الزكاة " هي اسم لما تزكو به النفس ; وزكاة النفس زيادة خيرها وذهاب شرها والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس ; كما قال تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } وكذلك ترك الفواحش مما تزكو به . قال تعالى . { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا } وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين لله ; قال تعالى : { وويل للمشركين } { الذين لا يؤتون الزكاة } وهي عند المفسرين التوحيد . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب وسماها الزكاة المفروضة ; فصار لفظ الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليها لأجل العهد ومن الأسماء ما يكون أهل العرف نقلوه وينسبون ذلك إلى الشارع مثل لفظ " التيمم " فإن الله تعالى قال : { فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } فلفظ " التيمم " استعمل في معناه المعروف في اللغة فإنه أمر بتيمم الصعيد ثم أمر بمسح الوجوه والأيدي منه ; فصار لفظ التيمم في عرف الفقهاء يدخل فيه هذا المسح ; وليس [ ص: 300 ] هو لغة الشارع بل الشارع فرق بين تيمم الصعيد وبين المسح الذي يكون بعده ولفظ " الإيمان " أمر به مقيدا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وكذلك لفظ " الإسلام " بالاستسلام لله رب العالمين ; وكذلك لفظ " الكفر " مقيدا ; ولكن لفظ " النفاق " قد قيل : إنه لم تكن العرب تكلمت به لكنه مأخوذ من كلامهم فإن نفق يشبه خرج ومنه نفقت الدابة إذا ماتت : ومنه نافقاء اليربوع والنفق في الأرض قال تعالى : { فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض } فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهرا ; وقيد النفاق بأنه نفاق من الإيمان . ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك منافقا عليه ; لكن النفاق الذي في القرآن هو النفاق على الرسول . فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء كخطاب الناس بغيرها ; وهو خطاب مقيد خاص لا مطلق يحتمل أنواعا . وقد بين الرسول تلك الخصائص ; والاسم دل عليها ; فلا يقال : إنها منقولة ولا إنه زيد في الحكم دون الاسم ; بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع ; لم يستعمل مطلقا وهو إنما قال : { وأقيموا الصلاة } بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها ; فكان التعريف منصرفا إلى الصلاة التي يعرفونها ; لم يرد لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه . ولهذا كل من قال في لفظ الصلاة : إنه عام للمعنى اللغوي ; أو إنه مجمل لتردده بين المعنى اللغوي والشرعي ونحو ذلك ; فأقوالهم ضعيفة فإن هذا اللفظ إنما ورد خبرا أو أمرا فالخبر كقوله : { أرأيت الذي ينهى } { عبدا إذا صلى } وسورة { اقرأ } من أول ما نزل من القرآن { وكان [ ص: 301 ] بعض الكفار إما أبو جهل أو غيره قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقال : لئن رأيته يصلي لأطأن عنقه . فلما رآه ساجدا رأى من الهول ما أوجب نكوصه على عقبيه } فإذا قيل : { أرأيت الذي ينهى } { عبدا إذا صلى } فقد علمت تلك الصلاة الواقعة بلا إجمال في اللفظ ولا عموم . ثم إنه لما فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج أقام النبي صلى الله عليه وسلم لهم الصلوات بمواقيتها صبيحة ذلك اليوم وكان جبرائيل يؤم النبي صلى الله عليه وسلم . والمسلمون يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم . فإذا قيل لهم : { وأقيموا الصلاة } عرفوا أنها تلك الصلاة وقيل : إنه قبل ذلك كانت له صلاتان طرفي النهار فكانت أيضا معروفة فلم يخاطبوا باسم من هذه الأسماء إلا ومسماه معلوم عندهم . فلا إجمال في ذلك ولا يتناول كل ما يسمى حجا ودعاء وصوما فإن هذا إنما يكون إذا كان اللفظ مطلقا وذلك لم يرد . وكذلك " الإيمان " و " الإسلام " وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور وإنما سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهم يسمعون وقال : { هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم } ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغي أن تقصد لئلا يقتصروا على أدنى مسمياتها وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قال : { ليس المسكين هذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس إلحافا } فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج وكان ذلك [ ص: 302 ] مشهورا عندهم فيمن يظهر حاجته بالسؤال فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه تزول مسكنته بإعطاء الناس له والسؤال له بمنزلة الحرفة وهو وإن كان مسكينا يستحق من الزكاة إذا لم يعط من غيرها كفايته فهو إذا وجد من يعطيه كفايته لم يبق مسكينا وإنما المسكين المحتاج الذي لا يسأل ولا يعرف فيعطى . فهذا هو الذي يجب أن يقدم في العطاء فإنه مسكين قطعا وذاك مسكنته تندفع بعطاء من يسأله وكذلك قوله : " الإسلام هو الخمس " يريد أن هذا كله واجب داخل في الإسلام فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين ; وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل لا يكتفي فيه بالإيمان المجمل ولهذا وصف الإسلام بهذا . وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها ونحن إذا قلنا : أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور . وعن أحمد : في ذلك نزاع وإحدى الروايات عنه : إنه يكفر من ترك واحدة منها وهو اختيار أبي بكر وطائفة من أصحاب مالك كابن حبيب . وعنه رواية ثانية : لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط ورواية ثالثة : لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها ورابعة : لا يكفر إلا بترك الصلاة . وخامسة : لا يكفر بترك شيء منهن . وهذه أقوال معروفة للسلف . قال الحكم بن عتيبة : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر . ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر . ومن ترك صوم [ ص: 303 ] رمضان متعمدا فقد كفر . وقال سعيد بن جبير : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر بالله . ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر بالله . ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد كفر بالله . وقال الضحاك : لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة . وقال عبد الله بن مسعود : من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له . رواهن أسد بن موسى . وقال عبد الله بن عمرو : من شرب الخمر ممسيا أصبح مشركا ومن شربه مصبحا أمسى مشركا فقيل لإبراهيم النخعي : كيف ذلك ؟ قال : لأنه يترك الصلاة قال أبو عبد الله الأخنس في كتابه : من شرب المسكر فقد تعرض لترك الصلاة ومن ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان . ومما يوضح ذلك أن جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان كان في آخر الأمر بعد فرض الحج والحج إنما فرض سنة تسع أو عشر . وقد اتفق الناس على أنه لم يفرض قبل ست من الهجرة ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الناس بالإيمان . ولم يبين لهم معناه إلى ذلك الوقت بل كانوا يعرفون أصل معناه وهذه المسائل لبسطها موضع آخر . و ( المقصود هنا أن من نفى عنه الرسول اسم " الإيمان " أو " الإسلام " فلا بد أن يكون قد ترك بعض الواجبات فيه وإن بقي بعضها ولهذا كان الصحابة والسلف يقولون : إنه يكون في العبد إيمان ونفاق . قال أبو داود السجستاني : حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن أبي المقدام عن [ ص: 304 ] أبي يحيى قال : سئل حذيفة عن المنافق . قال : الذي يعرف الإسلام ولا يعمل به . وقال أبو داود : حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة قال : القلوب أربعة : قلب أغلف فذلك قلب الكافر وقلب مصفح وذلك قلب المنافق وقلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن ; وقلب فيه إيمان ونفاق ; فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب ; ومثل النفاق مثل قرحة يمدها قيح ودم ; فأيهما غلب عليه غلب . وقد روي مرفوعا ; وهو في " المسند " مرفوعا . وهذا الذي قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى : { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب . وروى عبد الله بن المبارك عن عوف بن أبي جميلة عن عبد الله بن عمرو بن هند عن علي بن أبي طالب قال : إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب فكلما ازداد العبد إيمانا ازداد القلب بياضا حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله . وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادا حتى إذا استكمل العبد النفاق اسود القلب وأيم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود . وقال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل . رواه أحمد وغيره وهذا كثير في كلام السلف يبينون أن القلب قد يكون فيه [ ص: 305 ] إيمان ونفاق والكتاب والسنة يدلان على ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شعب الإيمان وذكر شعب النفاق وقال : { من كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها } وتلك الشعبة قد يكون معها كثير من شعب الإيمان ولهذا قال : { ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان } فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار وأن من كان معه كثير من النفاق فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك ثم يخرج من النار . وعلى هذا فقوله للأعراب : { لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } نفى حقيقة دخول الإيمان في قلوبهم وذلك لا يمنع أن يكون معهم شعبة منه كما نفاه عن الزاني والسارق ومن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه ومن لا يأمن جاره بوائقه وغير ذلك كما تقدم ذكره فإن في القرآن والحديث ممن نفي عنه الإيمان لترك بعض الواجبات شيء كثير . وحينئذ فنقول : من قال من السلف : أسلمنا أي استسلمنا خوف السيف وقول من قال : هو الإسلام . الجميع صحيح فإن هذا إنما أراد الدخول في الإسلام والإسلام الظاهر يدخل فيه المنافقون فيدخل فيه من كان في قلبه إيمان ونفاق وقد علم أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان بخلاف المنافق المحض الذي قلبه كله أسود فهذا هو الذي يكون في الدرك الأسفل من النار ولهذا كان الصحابة يخشون النفاق على أنفسهم ولم يخافوا [ ص: 306 ] التكذيب لله ورسوله فإن المؤمن يعلم من نفسه أنه لا يكذب الله ورسوله يقينا وهذا مستند من قال : أنا مؤمن حقا فإنه أراد بذلك ما يعلمه من من نفسه من التصديق الجازم ولكن الإيمان ليس مجرد التصديق بل لا بد من أعمال قلبية تستلزم أعمالا ظاهرة كما تقدم فحب الله ورسوله من الإيمان وحب ما أمر الله به وبغض ما نهى عنه هذا من أخص الأمور بالإيمان ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث أن : { من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن } فهذا يحب الحسنة ويفرح بها ويبغض السيئة ويسوءه فعلها وإن فعلها بشهوة غالبة وهذا الحب والبغض من خصائص الإيمان . ومعلوم أن الزاني حين يزني إنما يزني لحب نفسه لذلك الفعل فلو قام بقلبه خشية الله التي تقهر الشهوة أو حب الله الذي يغلبها ; لم يزن ولهذا قال تعالى عن يوسف عليه السلام { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } فمن كان مخلصا لله حق الإخلاص لم يزن وإنما يزني لخلوه عن ذلك وهذا هو الإيمان الذي ينزع منه لم ينزع منه نفس التصديق ولهذا قيل : هو مسلم وليس بمؤمن ; فإن المسلم المستحق للثواب لا بد أن يكون مصدقا وإلا كان منافقا ; لكن ليس كل من صدق قام بقلبه من الأحوال الإيمانية الواجبة مثل كمال محبة الله ورسوله ومثل خشية الله والإخلاص له في الأعمال والتوكل عليه بل يكون الرجل مصدقا بما جاء به الرسول وهو [ ص: 307 ] مع ذلك يرائي بأعماله ويكون أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله وقد خوطب بهذا المؤمنون في آخر الأمر في سورة " براءة " فقيل لهم : { إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } ومعلوم أن كثيرا من المسلمين أو أكثرهم بهذه الصفة . وقد ثبت أنه لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ; وإنما المؤمن من لم يرتب وجاهد بماله ونفسه في سبيل الله فمن لم تقم بقلبه الأحوال الواجبة في الإيمان فهو الذي نفى عنه الرسول الإيمان وإن كان معه التصديق والتصديق من الإيمان ولا بد أن يكون مع التصديق شيء من حب الله وخشية الله وإلا فالتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيمانا ألبتة بل هو كتصديق فرعون واليهود وإبليس وهذا هو الذي أنكره السلف على الجهمية . قال الحميدي : سمعت وكيعا يقول : أهل السنة يقولون : الإيمان قول وعمل والمرجئة يقولون : الإيمان قول . والجهمية يقولون : الإيمان المعرفة وفي رواية أخرى عنه : وهذا كفر . قال محمد بن عمر الكلابي : سمعت وكيعا يقول : الجهمية شر من القدرية قال : وقال وكيع : المرجئة : الذين يقولون : الإقرار يجزئ عن العمل ; ومن قال هذا فقد هلك ; ومن قال : النية تجزئ عن العمل فهو كفر وهو قول جهم وكذلك قال أحمد بن حنبل . [ ص: 308 ] ولهذا كان القول : إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة وحكى غير واحد الإجماع على ذلك وقد ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه ما ذكره من الإجماع على ذلك قوله في " الأم " : وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون : إن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر ; وذكرابن أبي حاتم - في " مناقبه " - : سمعت حرملة يقول : اجتمع حفص الفرد ومصلان الإباضي عند الشافعي في دار الجروي فتناظرا معه في الإيمان فاحتج مصلان في الزيادة والنقصان وخالفه حفص الفرد فحمي الشافعي وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فطحن حفصا الفرد وقطعه . وروى أبو عمرو الطلمنكي بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الحمال قال : أملى علينا إسحاق بن راهويه أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص لا شك أن ذلك كما وصفنا وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة ; وآحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وهلم جرا على ذلك وكذلك بعد التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه وكذلك في عهد الأوزاعي بالشام وسفيان الثوري بالعراق ; ومالك بن أنس بالحجاز ومعمر باليمن على ما فسرنا وبينا أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص . وقال إسحاق : من ترك الصلاة متعمدا حتى ذهب وقت الظهر إلى المغرب [ ص: 309 ] والمغرب إلى نصف الليل فإنه كافر بالله العظيم يستتاب ثلاثة أيام فإن لم يرجع وقال تركها لا يكون كفرا ضربت عنقه - يعني تاركها . وقال ذلك - وأما إذا صلى وقال ذلك فهذه مسألة اجتهاد قال : واتبعهم على ما وصفنا من بعدهم من عصرنا هذا أهل العلم إلا من باين الجماعة واتبع الأهواء المختلفة فأولئك قوم لا يعبأ الله بهم لما باينوا الجماعة . قال أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام - وله كتاب مصنف في الإيمان قال - : هذه تسمية من كان يقول : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .

من أهل مكة : عبيد بن عمير الليثي عطاء بن أبي رباح مجاهد بن جبر وابن أبي مليكة ; عمرو بن دينار ; ابن أبي نجيح عبيد الله بن عمر ; عبد الله بن عمرو بن عثمان عبد الملك بن جريح نافع بن جبير داود بن عبد الرحمن العطار عبد الله بن رجاء . ومن أهل المدينة : محمد بن شهاب الزهري ربيعة بن أبي عبد الرحمن أبو حازم الأعرج سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يحيى بن سعيد الأنصاري هشام بن عروة بن الزبير عبد الله بن عمر العمري مالك بن أنس محمد بن أبي ذئب سليمان بن بلال عبد العزيز بن عبد الله يعني الماجشون - عبد العزيز بن أبي حازم .

ومن أهل اليمن : طاووس اليماني وهب بن منبه معمر بن راشد عبد الرزاق بن همام . ومن أهل مصر والشام : مكحول الأوزاعي سعيد بن عبد العزيز الوليد بن مسلم يونس بن يزيد الأيلي يزيد بن أبي حبيب يزيد بن شريح سعيد بن أبي أيوب الليث بن سعد عبد الله بن أبي جعفر معاوية بن أبي صالح حيوة ابن شريح عبد الله بن وهب [ ص: 310 ] .

ومن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة : ميمون بن مهران يحيى بن عبد الكريم معقل بن عبيد الله عبيد الله بن عمرو الرقي عبد الملك بن مالك المعافي بن عمران محمد بن سلمة الحراني أبو إسحاق الفزاري مخلد بن الحسين علي بن بكار يوسف بن أسباط عطاء بن مسلم محمد بن كثير الهيثم بن جميل . ومن أهل الكوفة : علقمة الأسود بن يزيد أبو وائل وسعيد بن جبير الربيع بن خيثم عامر الشعبي إبراهيم النخعي الحكم بن عتيبة طلحة بن مصرف منصور بن المعتمر سلمة بن كهيل مغيرة الضبي عطاء بن السائب إسماعيل بن أبي خالد أبو حيان يحيى بن سعيد سليمان بن مهران الأعمش يزيد بن أبي زياد سفيان بن سعيد الثوري سفيان بن عيينة الفضيل بن عياض أبو المقدام ثابت بن العجلان ابن شبرمة ابن أبي ليلى زهير شريك بن عبد الله الحسن بن صالح حفص بن غياث أبو بكر بن عياش أبو الأحوص وكيع بن الجراح عبد الله بن نمير أبو أسامة عبد الله بن إدريس زيد بن الحباب الحسين بن علي الجعفي محمد بن بشر العبدي يحيى بن آدم ومحمد ويعلى وعمرو بنو عبيد . ومن أهل البصرة : الحسن بن أبي الحسن محمد بن سيرين قتادة ابن دعامة بكر بن عبد الله المزني أيوب السختياني يونس بن عبيد عبد الله بن عون سليمان التيمي هشام بن حسان الدستوائي شعبة ابن الحجاج حماد بن سلمة حماد بن زيد أبو الأشهب يزيد بن إبراهيم [ ص: 311 ] أبو عوانة وهيب بن خالد عبد الوارث بن سعيد معتمر بن سليمان التيمي يحيى بن سعيد القطان عبد الرحمن بن مهدي بشر بن المفضل يزيد بن زريع المؤمل بن إسماعيل خالد بن الحارث معاذ بن معاذ أبو عبد الرحمن المقري .

ومن أهل واسط : هشيم بن بشير خالد بن عبد الله علي بن عاصم يزيد بن هارون صالح بن عمر بن علي بن عاصم . ومن أهل المشرق : الضحاك بن مزاحم أبو جمرة نصر بن عمران عبد الله بن المبارك النضر بن شميل جرير بن عبد الحميد الضبي . قال أبو عبيد : هؤلاء جميعا يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ; وهو قول أهل السنة المعمول به عندنا . قلت : ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولا فيهم أكثر وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان فاحتاج علماؤها أن يظهروا إنكار ذلك فكثر منهم من قال ذلك ; كما أن التجهم وتعطيل الصفات لما كان ابتداء حدوثه من خراسان كثر من علماء خراسان ذلك الوقت من الإنكار على الجهمية ما لم يوجد قط لمن لم تكن هذه البدعة في بلده ولا سمع بها كما جاء في حديث : { إن لله عند كل بدعة يكاد بها الإسلام وأهله من يتكلم بعلامات الإسلام ; فاغتنموا تلك المجالس فإن الرحمة تنزل على أهلها } أو كما قال .

[ ص: 312 ] وإذا كان من قول السلف : إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق فكذلك في قولهم : إنه يكون فيه إيمان وكفر ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة ; كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قالوا : كفروا كفرا لا ينقل عن الملة وقد اتبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة . قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب " الصلاة " : اختلف الناس في تفسير حديث جبرائيل هذا فقال طائفة من أصحابنا : قول النبي صلى الله عليه وسلم { الإيمان أن تؤمن بالله } وما ذكر معه كلام جامع مختصر له غور وقد وهمت المرجئة في تفسيره فتأولوه على غير تأويله قلة معرفة منهم بلسان العرب وغور كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد أعطي جوامع الكلم وفواتحه واختصر له الحديث اختصارا . أما قوله : { الإيمان أن تؤمن بالله } فأن توحده وتصدق به بالقلب واللسان وتخضع له ولأمره بإعطاء العزم للأداء لما أمر مجانبا للاستنكاف والاستكبار والمعاندة فإذا فعلت ذلك لزمت محابه واجتنبت مساخطه .

وأما قوله : " وملائكته " فأن تؤمن بمن سمى الله لك منهم في كتابه وتؤمن بأن لله ملائكة سواهم لا يعرف أسماءهم وعددهم إلا الذي خلقهم . وأما قوله : " وكتبه " فأن تؤمن بما سمى الله من كتبه في كتابه من التوراة والإنجيل والزبور خاصة ; وتؤمن بأن لله سوى ذلك كتبا أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الذي أنزلها وتؤمن بالفرقان وإيمانك به غير إيمانك بسائر الكتب . [ ص: 313 ] إيمانك بغيره من الكتب إقرارك به بالقلب واللسان وإيمانك بالفرقان إقرارك به واتباعك ما فيه .

وأما قوله : " ورسله " فأن تؤمن بما سمى الله في كتابه من رسله وتؤمن بأن الله سواهم رسلا وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم وتؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل . إيمانك بسائر الرسل إقرارك بهم وإيمانك بمحمد إقرارك به وتصديقك إياه دائبا على ما جاء به فإذا اتبعت ما جاء به أديت الفرائض وأحللت الحلال وحرمت الحرام ووقفت عند الشبهات وسارعت في الخيرات وأما قوله : " واليوم الآخر " فأن تؤمن بالبعث بعد الموت والحساب والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار وبكل ما وصف الله به يوم القيامة . وأما قوله : { وتؤمن بالقدر خيره وشره } فأن تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تقل : لو كان كذا لم يكن كذا ولولا كذا وكذا لم يكن كذا وكذا . قال : فهذا هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث