الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الأعمال الباطنة مأمور بها في حق الخاصة والعامة

و " الزهد المشروع " هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله كما أن " الورع المشروع " هو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها كالواجبات فأما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو يعين على ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس من الدين بل صاحبه داخل في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } كما أن الاشتغال بفضول المباحات هو ضد الزهد المشروع فإن اشتغل بها عن فعل واجب أو [ ترك ] محرم كان عاصيا وإلا كان منقوصا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين . و ( أيضا فإن التوكل هو محبوب لله مرض له مأمور به دائما وما كان محبوبا لله مرضيا له مأمورا به دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون المقربين فهذه ثلاثة أجوبة عن قولهم : المتوكل يطلب حظوظه .

وأما قولهم إن الأمور قد فرغ منها فهذا نظير ما قاله بعضهم في الدعاء أنه لا حاجة إليه لأن المطلوب إن كان مقدرا فلا حاجة إليه وإن لم يكن [ ص: 22 ] مقدرا لم ينفع الدعاء وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا . وكذلك قول من قال : التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة وإنما هو عبادة محضة . وإن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وإن كان قاله طائفة من المشايخ فهو غلط أيضا وكذلك قول من قال : إن الدعاء إنما هو عبادة محضة . فهذه الأقوال وما أشبهها يجمعها أصل واحد : وهو أن هؤلاء ظنوا أن كون الأمور مقدرة مقضية يمنع أن تتوقف على أسباب مقدرة - أيضا - تكون من العبد ; ولم يعلموا أن الله سبحانه يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب التي جعلها معلقة بها من أفعال العباد وغير أفعالهم ولهذا كان طرد قولهم يوجب تعطيل الأعمال بالكلية .

وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الأصل مرات فأجاب عنه كما أخرجا في الصحيحين عن عمران بن حصين قال : { قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار ؟ قال : نعم . قالوا : ففيم العمل ؟ قال : كل ميسر لما خلق له } وفي الصحيحين عن { علي بن أبي طالب قال : كنا في جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم رفع رأسه وقال : ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال : [ ص: 23 ] فقال رجل من القوم يا نبي الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟ فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له .

أما أهل السعادة فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم { فأما من أعطى واتقى } { وصدق بالحسنى } { فسنيسره لليسرى } { وأما من بخل واستغنى } { وكذب بالحسنى } { فسنيسره للعسرى }
} أخرجه الجماعة في الصحاح والسنن والمسانيد . وروى الترمذي " { أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل فقيل : يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال : هي من قدر الله } .

وقد جاء هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عدة أحاديث فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن تقدم العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافي أن تكون سعادة هذا بالأعمال الصالحة وشقاوة هذا بالأعمال السيئة ; فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه وكذلك يكتبها ; فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال السيئة فمن كان سعيدا ييسر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة ; ومن كان شقيا ييسر للأعمال السيئة [ ص: 24 ] التي تقتضي الشقاوة ; وكلاهما ميسر لما خلق له وهو ما يصير إليه من مشيئة الله العامة الكونية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه في قوله تعالى { ولا يزالون مختلفين } { إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } .

وأما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية التي أمروا بموجبها فذلك مذكور في قوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .

والله سبحانه قد بين في كتابه في كل واحدة : من " الكلمات " و " الأمر " و " الإرادة " و " الإذن " و " الكتاب " و " الحكم " و " القضاء " و " التحريم " ونحو ذلك ما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي وما هو كوني موافق لمشيئته الكونية . مثال ذلك أنه قال في " الأمر الديني " : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } وقال تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } ونحو ذلك . وقال في " الكوني " : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } وكذلك قوله : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول } على إحدى الأقوال في هذه الآية . وقال في " الإرادة الدينية " : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ ص: 25 ] { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم }

{ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم } وقال في " الإرادة الكونية " : { ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } وقال : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء } وقال نوح عليه السلام { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } وقال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } .

وقال تعالى في " الإذن الديني " : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين } وقال تعالى في " الكوني " : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } .

وقال تعالى في " القضاء الديني " : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } أي أمر . وقال تعالى في " الكوني " : { فقضاهن سبع سماوات في يومين } . وقال تعالى في " الحكم الديني " : { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد } وقال تعالى : { ذلكم حكم الله يحكم بينكم } وقال تعالى في " الكوني " عن ابن يعقوب : { فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين } [ ص: 26 ] وقال تعالى { قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون } .

وقال تعالى في " التحريم الديني " : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير }

{ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم } الآية . وقال تعالى في " التحريم الكوني " : { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } وقال تعالى { والذين في أموالهم حق معلوم }

{ للسائل والمحروم } وقال تعالى في " الكلمات الدينية " { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } وقال تعالى في " الكونية " : { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } ومنه قوله صلى الله عليه وسلم المستفيض عنه من وجوه في الصحاح والسنن والمسانيد إنه كان يقول في استعاذته { أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر } ومن المعلوم أن هذا هو الكوني الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه .

وأما الكلمات الدينية فقد خالفها الفجار بمعصيته . والمقصود هنا : أنه صلى الله عليه وسلم بين أن العواقب التي خلق لها الناس من سعادة وشقاوة ييسرون لها بالأعمال التي يصيرون بها إلى ذلك كما أن سائر المخلوقات كذلك ; فهو سبحانه يخلق الولد وسائر الحيوان في الأرحام بما يقدره من اجتماع الأبوين على النكاح واجتماع الماءين في الرحم فلو قال الإنسان أنا أتوكل ولا أطأ زوجتي فإن كان قد [ ص: 27 ] قضي لي بولد وجد وإلا لم يوجد ولا حاجة إلى وطء كان أحمق بخلاف ما إذا وطئ وعزل الماء فإن عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا شاء الله إذ قد يسبق الماء بغير اختياره .

ومن هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري . قال : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة } وفي صحيح مسلم عن جابر : { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها } . وهذا مع أن الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الإنسان من غير أبوين كما خلق آدم ومن خلقه من أب فقط كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه من أم فقط كما خلق المسيح ابن مريم عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب أخرى غير معتادة .

وهذا الموضع وإن كان إنما يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد وقع في كثير من دقه كثير من المشايخ المعظمين يسترسل أحدهم مع القدر [ ص: 28 ] غير محقق لما أمر به ونهى عنه ويجعل ذلك من باب التفويض والتوكل والجري مع الحقيقة القدرية ويحسب أن قول القائل ينبغي للعبد أن يكون مع الله كالميت بين يدي الغاسل يتضمن ترك العمل بالأمر والنهي حتى يترك ما أمر به ويفعل ما نهي عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان الذي يفرق به بين ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وأبغضه وسخطه فيسوي بين ما فرق الله بينه كما قال تعالى { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون } وقال تعالى : { أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون } وقال تعالى : { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } وقال تعالى : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } وقال تعالى : { وما يستوي الأعمى والبصير }

{ ولا الظلمات ولا النور }

{ ولا الظل ولا الحرور }

{ وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور } وأمثال ذلك . حتى يفضي الأمر بغلاتهم إلى عدم التمييز بين الأمر بالمأمور النبوي الإلهي الفرقاني الشرعي الذي دل عليه الكتاب والسنة وبين ما يكون في الوجود من الأحوال التي تجري على أيدي الكفار والفجار فيشهدون وجه الجمع من جهة كون الجميع بقضاء الله وقدره وربوبيته وإرادته العامة [ ص: 29 ] وأنه داخل في ملكه ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه والأبرار والفجار والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة الذين أطاعوا أمره الديني وأهل المعصية الذين عصوا هذا الأمر ويستشهدون في ذلك بكلمات مجملة نقلت عن بعض الأشياخ أو ببعض غلطات بعضهم .

وهذا " أصل عظيم " من أعظم ما يجب الاعتناء به على أهل طريق الله السالكين سبيل الإرادة : إرادة الذين يريدون وجهه ; فإنه قد دخل بسبب إهمال ذلك على طوائف منهم من الكفر والفسوق والعصيان ما لا يعلمه إلا الله حتى يصيروا معاونين على البغي والعدوان للمسلطين في الأرض من أهل الظلم والعلو كالذين يتوجهون بقلوبهم في معاونة من يهوونه من أهل العلو في الأرض والفساد ظانين أنهم إذا كانت لهم أحوال أثروا بها في ذلك كانوا بذلك من أولياء الله - فإن القلوب لها من التأثير أعظم مما للأبدان ; لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحا وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تارة ومكروها لله أخرى وقد تكلم الفقهاء على وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن حيث يجب القود في ذلك - ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم بكشف يكشف له أو بتأثير يوافق إرادته هو كرامة من الله له ولا يعلمون أنه في الحقيقة إهانة وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن [ ص: 30 ] الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون }

فإن كانوا موافقين له فيما أوجبه عليهم فهم من المقتصدين وإن كانوا موافقين فيما أوجبه وأحبه فهم من المقربين مع أن كل واجب محبوب وليس كل محبوب واجبا وأما ما يبتلي الله به عبده من السراء بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد بها قوم إذا أطاعوه في ذلك وقد يشقى بها قوم إذا عصوه في ذلك . قال الله تعالى : { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن }

{ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا } ولهذا كان الناس في هذه الأمور على " ثلاثة أقسام " : ( قسم ترتفع درجاتهم بخرق العادة إذا استعملوها في طاعة الله . وقوم يتعرضون بها لعذاب الله إذا استعملوها في معصية الله كبلعام وغيره . وقوم تكون في حقهم بمنزلة المباحات . [ ص: 31 ] والقسم الأول هم المؤمنون حقا المتبعون لنبيهم سيد ولد آدم الذي إنما كانت خوارقه لحجة يقيم بها دين الله أو لحاجة يستعين بها على طاعة الله . ولكثرة الغلط في هذا الأصل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاسترسال مع القدر بدون الحرص على فعل المأمور الذي ينفع العبد فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير . احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان } .

وفي سنن أبي داود : { أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما فقال المقضي عليه : حسبي الله ونعم الوكيل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل } فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يحرص على ما ينفعه وأن يستعين بالله وهذا مطابق لقوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } وقوله تعالى { فاعبده وتوكل عليه } فإن الحرص على ما ينفع العبد هو طاعة الله وعبادته إذ النافع له هو طاعة الله ولا شيء أنفع له من ذلك وكل ما يستعان به على الطاعة فهو طاعة وإن كان من جنس المباح . قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لسعد : { إنك لن [ ص: 32 ] تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك } فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يلوم على العجز الذي هو ضد الكيس وهو التفريط فيما يؤمر بفعله فإن ذلك ينافي القدرة المقارنة للفعل . وإن كان لا ينافي القدرة المتقدمة التي هي مناط الأمر والنهي . فإن الاستطاعة التي توجب الفعل تكون مقارنة له ولا تصلح إلا لمقدورها كما ذكرها الله تعالى في قوله { ما كانوا يستطيعون السمع } وفي قوله : { وكانوا لا يستطيعون سمعا }

وأما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن . كما في قوله تعالى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } { وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب } . فهذا الموضع قد انقسم الناس فيه إلى " أربعة أقسام " : قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لإلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة ; فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان ; لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوي العبد وتيسر عليه الأمور . [ ص: 33 ] ولهذا قال بعض السلف : من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله .

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته في التوراة إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء فأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن يقولوا لا إله إلا الله } ولهذا روي أن حملة العرش إنما أطاقوا حمل العرش بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله .

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنها كنز من كنوز الجنة } قال تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } وقال تعالى : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } إلى قوله { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } قالها إبراهيم الخليل حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم .

و ( قسم ثان : يشهدون ربوبية الحق وافتقارهم إليه ويستعينون به لكن على أهوائهم وأذواقهم غير ناظرين إلى حقيقة أمره ونهيه ورضاه وغضبه ومحبته وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة ولهذا كثيرا [ ص: 34 ] ما يعملون على الأحوال التي يتصرفون بها في الوجود ولا يقصدون ما يرضي الرب ويحبه وكثيرا ما يغلطون فيظنون أن معصيته هي مرضاته فيعودون إلى تعطيل الأمر والنهي ويسمون هذا حقيقة ويظنون أن هذه الحقيقة القدرية يجب الاسترسال معها دون مراعاة الحقيقة الأمرية الدينية التي هي تحوي مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرا وباطنا . وهؤلاء كثيرا ما يسلبون أحوالهم وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق بل كثير منهم يرتد عن الإسلام لأن العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند أمر الله ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون في بعض ما وقع المشركون فيه تارة في بدعة يظنونها شرعة وتارة في الاحتجاج بالقدر على الأمر ; والله تعالى لما ذكر ما ذم به المشركين في سورة الأنعام والأعراف ذكر ما ابتدعوه من الدين وجعلوه شرعة كما قال تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } وقد ذمهم على أن حرموا ما لم يحرمه الله وأن شرعوا ما لم يشرعه الله وذكر احتجاجهم بالقدر في قوله تعالى { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } ونظيرها في النحل ويس والزخرف وهؤلاء يكون فيهم شبه من هذا وهذا .

وأما ( القسم الثالث : وهو من أعرض عن عبادة الله واستعانته به فهؤلاء شر الأقسام . [ ص: 35 ] و ( القسم الرابع : هو القسم المحمود وهو حال الذين حققوا { إياك نعبد وإياك نستعين } وقوله : { فاعبده وتوكل عليه } فاستعانوا به على طاعته وشهدوا أنه إلههم الذي لا يجوز أن يعبد إلا إياه بطاعته وطاعة رسوله وأنه ربهم الذي { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } وأنه { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله }

{ قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته } ولهذا قال طائفة من العلماء الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع .

فقد تبين أن من ظن التوكل من مقامات عامة أهل الطريق فقد غلط غلطا شديدا وإن كان من أعيان المشايخ - كصاحب " علل المقامات " وهو من أجل المشايخ وأخذ ذلك عنه صاحب " محاسن المجالس " - وظهر ضعف حجة من قال ذلك لظنه أن المطلوب به حظ العامة فقط وظنه أنه لا فائدة له في تحصيل المقصود وهذه حال من جعل الدعاء كذلك وذلك بمنزلة من جعل الأعمال المأمور بها كذلك كمن اشتغل بالتوكل عن ما يجب عليه من [ ص: 36 ] الأسباب التي هي عبادة وطاعة مأمور بها ; فإن غلط هذا في ترك الأسباب المأمور بها التي هي داخلة في قوله تعالى { فاعبده وتوكل عليه } كغلط الأول في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل في قوله تعالى { فاعبده وتوكل عليه } لكن يقال : من كان توكله على الله ودعاؤه له هو في حصول مباحات فهو من العامة وإن كان في حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة كما أن من دعاه وتوكل عليه في حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ومن أعرض عن التوكل فهو عاص لله ورسوله بل خارج عن حقيقة الإيمان فكيف يكون هذا المقام للخاصة قال الله تعالى : { وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين }

وقال تعالى : { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده } وقال تعالى : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وقال تعالى : { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره } إلى قوله { قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } وقد ذكر الله هذه الكلمة ( حسبي الله في جلب المنفعة تارة وفي دفع المضرة أخرى .

( فالأولى في قوله تعالى { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله } الآية . و ( الثانية في قوله : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } وفي قوله تعالى { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره } وقوله : { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله } يتضمن الأمر بالرضا والتوكل . والرضا والتوكل يكتنفان المقدور فالتوكل قبل وقوعه . والرضا بعد وقوعه ; ولهذا { كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت ; وأسألك لذة النظر إلى وجهك ; وأسألك الشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين } رواه أحمد والنسائي من حديث عمار بن ياسر .

وأما ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا لا حقيقة الرضا ; ولهذا كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء ; فإذا وقع انفسخت عزائمهم كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره كما قال تعالى : { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون }

{ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون }

{ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } نزلت هذه الآية لما قالوا لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الجهاد فكرهه من كرهه . ولهذا كره للمرء أن يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه ما لا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك أو يطلب ولاية أو يقدم على بلد فيه طاعون . كما ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه نهى عن النذر ; وقال : إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل } وثبت عنه في الصحيحين أنه قال لعبد الرحمن بن سمرة : { لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ; وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك } وثبت عنه في الصحيحين أنه { قال في الطاعون : إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه } .

وثبت عنه في الصحيحين أنه قال : { لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف } وأمثال ذلك مما يقتضي أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء ويحرم عليه أشياء فيبخل بالوفاء ; وكما يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودا على أمور وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود . ويقتضي أن الإنسان إذا ابتلي فعليه أن يصبر ويثبت ولا يتكل حتى يكون من الرجال الموقنين القائمين بالواجبات . ولا بد في جميع ذلك من [ ص: 39 ] الصبر ; ولهذا كان الصبر واجبا باتفاق المسلمين على أداء الواجبات وترك المحظورات . ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عن أن يجزع فيها والصبر عن اتباع أهواء النفوس فيما نهى الله عنه . وقد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعا وقرنه بالصلاة في قوله تعالى { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين }

{ استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } وقوله : { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل } إلى قوله { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين }

{ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها }

{ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك } الآية وجعل " الإمامة في الدين " موروثة عن الصبر واليقين بقوله : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } فإن الدين كله علم بالحق وعمل به والعمل به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه عليكم بالعلم فإن طلبه لله عبادة ومعرفته خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ; ومذاكرته تسبيح . به يعرف الله ويعبد وبه يمجد الله ويوحد يرفع الله بالعلم أقواما يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم . فجعل البحث عن العلم من الجهاد ولا بد في الجهاد من الصبر ; ولهذا [ ص: 40 ] قال تعالى : { والعصر }

{ إن الإنسان لفي خسر }

{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } وقال تعالى : { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } فالعلم النافع هو أصل الهدى والعمل بالحق هو الرشاد وضد الأول الضلال وضد الثاني الغي فالضلال العمل بغير علم والغي اتباع الهوى . قال تعالى : { والنجم إذا هوى }

{ ما ضل صاحبكم وما غوى } فلا ينال الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد إلا بالصبر ; ولهذا قال علي : ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد - فإذا انقطع الرأس بان الجسد - ثم رفع صوته فقال ألا لا إيمان لمن لا صبر له

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث