الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 23 ] الوجه الثالث من وجوه إعجازه حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحتها، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الذين هم فرسان الكلام وأرباب هذا الشأن. فجاء نطقه العجيب، وأسلوبه الغريب مخالفا لأساليب كلام العرب ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاءت عليه، ووقفت عليه مقاطع آياته، وانتهت إليه فواصل كلماته، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له. قال ابن عطية: الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجوه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه، وذلك أن الله أحاط بكل شيء علما، وأحاط بالكلام كله علما، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره. والبشر محل الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك، فلذلك جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بذلك، فصرفوا عن ذلك. والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط، ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا، ثم ينظر فيها، ثم يغير فيها، وهلم جرا. وكتاب الله سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره، ويخفى علينا وجهها في مواضع، لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة. وقامت الحجة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة المعارضة، كما كانت الحجة في معجزة موسى بالسحرة، وفي معجزة. عيسى بالأطباء، فإن الله إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبدع ما تكون في زمان النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحر في مدة موسى إلى غايته، وكذلك الطب في زمان عيسى، والفصاحة في زمان محمد - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 24 ] وقال حازم في منهاج البلغاء: وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه في جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر. وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم تعترض الفترات الإنسانية، فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه. قال الجعبري: لمعرفة فواصل الآي طريقان: توقيفي وقياسي، أما التوقيفي فما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - وقف عليه دائما تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة. والوصل أن يكون غير فاصلة، أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها. وأما القياسي فهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب، ولا محذور في ذلك، لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل. والوقف على كل كلمة جائز، ووصل القرآن كله جائز، فاحتاج القياسي إلى طريق تعرفه، فنقول: فاصلة الآية كقرينة السجع في النثر، وقافية البيت في الشعر. ومما يذكر من عيوب القافية من اختلاف المد والإشباع والتوجيه، فليس بعيب في الفاصلة، وجاز الانتقال في الفاصلة والقرينة وقافية الأرجوزة من نوع إلى آخر بخلاف قافية القصيدة. ومن ثم ترى "يرجعون" مع "عليم" و"الميعاد" مع "الثواب"، و"الطارق" مع "الثاقب". والأصل في الفاصلة والقرينة المتجردة في الآية والسجعة المساواة، ومن ثم أجمع العادون على ترك عد: ويأت بآخرين النساء: 133. ولا الملائكة المقربون النساء: 172، و كذب بها الأولون الإسراء: 59، و لتبشر به المتقين : 97، بمريم [ ص: 25 ] و لعلهم يتقون 113، بطه – و من الظلمات إلى النور و أن الله على كل شيء قدير : 11، 12، بالطلاق حيث لم ئشاكل طرفيه. وعلى ترك عد: أفغير دين الله يبغون آل عمران: 83. أفحكم الجاهلية يبغون المائدة. وعدوا نظائرها للمناسبة، نحو: الأولي الألباب آل عمران: 190، بآل عمران. و على الله كذبا الكهف: 15، بالكهف. و " السلوى " : 80، بطه. وقال غيره: تقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها. وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وتسمى فواصل، لأنه ينفصل عندها الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل ما بينها وبين ما بعدها، وأخذا من قوله تعالى: كتاب فصلت آياته فصلت: 3. ولا يجوز تسميتها قوافي إجماعا، لأن الله تعالى لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا، لأنها منه وخاصة به في الاصطلاح. وكما يمتنع استعمال القافية فيه يمتنع استعمال الفاصلة في الشعر، لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه. وهل يجوز استعمال السجع في القرآن، خلاف: الجمهور على المنع، لأن أصله من سجع الطير، فشرف القرآن أن يستعار لشيء منه لفظ أصله مهمل، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في وصفه بذلك، ولأن القرآن من صفاته تعالى، فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها. قال الرماني في إعجاز القرآن: ذهب الأشعرية إلى امتناع أن يقول في القرآن سجع، وفرقوا بينهما بأن السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم مجال المعنى عليه، والفواصل التي تتبع المعاني، ولا تكون مقصودة في نفسها. قال: ولذلك كانت الفواصل بلاغة والسجع عيبا، وتبعه على ذلك أبو بكر الباقلاني. وقال الخفاجي في سر الفصاحة: قول الرماني: إن السجع عيب والفواصل بلاغة غلط، فإنه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى - وهو غير مقصود فذلك [ ص: 26 ] بلاغة، والفواصل مثله. وإن أراد به ما تقع المعاني تابعة له - وهو مقصود متكلف - فذلك عيب. والفواصل مثله. قال: وأظن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا - رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم، وهذا غرض في التسمية قريب. والحقيقة ما قلناه. قال: والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل. قال: فإن قيل: إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا، وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع، قلنا، إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى عرفهم وعادتهم، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا، لما فيه من أمارات التكلف والاستكراه لاستماع طول الكلام، فلم يرد كله مسجوعا جريا منهم على عرفهم في اللطيفة الغالبة من كلامهم، ولم يخل من السجع، لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة السابقة. وقد ألف الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي كتابا سماه " إحكام الرأي في أحكام الآي " قال فيه: إن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يرتكب بها أمور من مخالفة الأصول. قال: وقد تتبعت الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة فعثرت منها على ما ينيف على الأربعين حكما: 1 - تقديم المعمول إما على العوامل نحو: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قيل: ومنه: وإياك نستعين . أو معمول آخر أصله التقديم، نحو: لنريك من آياتنا الكبرى . إذا أعربنا " الكبرى " مفعول نري. أو على الفاعل، نحو: ولقد جاء آل فرعون النذر . ومنه تقديم خبر كان على اسمها، نحو: ولم يكن له كفوا أحد . [ ص: 27 ] 2 - تقديم ما هو متأخر في الزمان، نحو: فلله الآخرة والأولى . ولولا مراعاة الفواصل لقدمت " الأولى"، كقوله: له الحمد في الأولى والآخرة . القصص: 70. 3 - تقديم الفاضل على الأفضل، نحو: برب هارون وموسى . وتقدم ما فيه. 4 - تقديم الضمير على ما يفسره، نحو: فأوجس في نفسه خيفة موسى . 5 - تقديم الصفة الجملة على الصفة المفرد، نحو: ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا . الإسراء: 13. 6 - حذف ياء المنقوص العرف، نحو: الكبير المتعال الرعد: 10. يوم التناد . المؤمن: 32. 7 - حذف ياء الفعل غير المجزوم، نحو: والليل إذا يسر . 8 - حذف ياء الإضافة، نحو: فكيف كان عذابي ونذر . القمر 18. فكيف كان عقاب الرعد: 32. 9 - حرف المد، نحو: الظنونا، والرسولا، والسبيلا. ومنه إبقاؤه مع الجازم، نحو: لا تخاف دركا ولا تخشى طه: 77. سنقرئك فلا تنسى . ، على القول بأنه نهي. 10 - صرف ما لا ينصرف، نحو: قواريرا قواريرا . الإنسان: 15. 16. 11 - إيثار تذكير الجنس، كقوله: أعجاز نخل منقعر . 12 - إيثار تأنيثه، نحو: أعجاز نخل خاوية . الحاقة: 7، ونظير هذين [ ص: 28 ] قوله في القمر: وكل صغير وكبير مستطر . القمر: 53. وفي الكهف: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . الكهف: 49. 13 - الاقتصار على أحد الوجهين الجائزين اللذين قرئ بهما في السبع في غير ذلك، كقوله: فأولئك تحروا رشدا الجن: 14 ، ولم يجئ رشدا في السبع، وكذا: وهيئ لنا من أمرنا رشدا . الكهف: 10 ، فإن الفواصل في السورتين محركة الوسط، وقد جاء في: وإن يروا سبيل الرشد الأعراف: 146. وبهذا يبطل ترجيح الفارسي قراءة التحريك بالإجماع عليه فيما تقدم. ونظير ذلك قراءة: تبت يدا أبي لهب بفتح الهاء وسكونها، ولم يقرأ: سيصلى نارا ذات لهب المسد: 3. إلا بالفتح لمراعاة الفاصلة. 14 - إيراد الجملة التي ورد بها ما قبلها على غير وجه المطابقة في الاسمية والفعلية، كقوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين البقرة: 8، لم يطابق بين قولهم " آمنا" وبين ما رد به فيقول: لم يؤمنوا، أو ما آمنوا لذلك. 15 - إيراد أحد القسمين غير مطابق للآخر كذلك، نحو: فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين العنكبوت: 3. ولم يقل الذين كذبوا. 16 - إيراد أحد جزأي الجملتين على غير الوجه الذي أورد نظيرها من الجملة الأخرى، نحو: أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون البقرة: 177. 17 - إيثار أغرب اللفظتين، نحو: قسمة ضيزى . النجم: 22 ، ولم يقل جائرة. و لينبذن في الحطمة . الهمزة: 4 ، ولم يقل جهنم أو النار. وقال في المدثر: سأصليه سقر . المدثر: 26. وفي سأل إنها لظى . وفي القارعة: فأمه هاوية . لمراعاة فواصل كل سورة. 18 - اختصاص كل من المشتركين بموضع، نحو: وليذكر أولو الألباب [ ص: 29 ] وفي سورة طه: إن في ذلك لآيات لأولي النهى . 19 - حذف المفعول، نحو: فأما من أعطى واتقى . الليل: هـ. ما ودعك ربك وما قلى الضحى: 2. ومنه حذف متعلق أفعل التفضيل، نحو: يعلم السر وأخفى ، خير وأبقى . 20 - الاستغناء بالإفراد عن التثنية، نحو: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى . 21 - الاستغناء به عن الجمع، نحو: واجعلنا للمتقين إماما . ولم يقل أئمة، كما قال: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ، إن المتقين في جنات ونهر ،: أي أنهار. 22 - الاستغناء بالتثنية عن الإفراد، نحو: ولمن خاف مقام ربه جنتان . قال الفراء: أراد جنة، كقوله: فإن الجنة هي المأوى . فثنى لأجل الفاصلة. قال: والقوافي تحتمل من الزيادة والنقصان ما لا يحتمله سائر الكلام. ونظير ذلك قول الفراء أيضا في قوله: إذ انبعث أشقاها ، فإنهما رجلان فدار وآخر معه ولم يقل أشقياها للفاصلة. وقد أنكر ذلك ابن قتيبة وأغلظ فيه، وقال: إنما يجوز في رؤوس الآي زيادة هاء السكت أو الألف أو حذف همزة أو حرف، فأما أن يكون الله وعد جنتين فيجعلهما جنة واحدة لأجل رؤوس الآي فمعاذ الله! وكيف هذا وهو يصفهما بصفات الاثنين. قال: ذواتا أفنان الرحمن: 48 ، ثم قال: " فيهما". وأما ابن الصائغ فإنه نقل عن الفراء أنه أراد جنات، فأطلق الاثنين على الجمع لأجل الفاصلة، ثم قال: وهذا غير بعيد. قال: وإنما أعاد الضمير بعد ذلك بصيغة التثنية مراعاة للفظ، وهذا هو الثالث والعشرون. [ ص: 30 ] 24 - الاستغناء بالجمع عن الإفراد، نحو: لا بيع فيه ولا خلال ، أي ولا خلة، كما في الأخرى، وجمع مراعاة للفاصلة. 25 - إجراء غير العاقل مجرى العاقل، نحو: رأيتهم لي ساجدين . كل في فلك يسبحون . 26 - إمالة ما لا يمال، كآي طه والنجم. 27 - الإتيان بصيغة المبالغة، كقدير، وعليم، مع ترك ذلك في نحو: هو القادر ، و عالم الغيب . ومنه: وما كان ربك نسيا . 28 - إيثار بعض أوصاف المبالغة على بعض، نحو: إن هذا لشيء عجاب . أوثر على عجيب لذلك. 29 - الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، نحو: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى . 30 - إيقاع الظاهر موقع المضمر، نحو: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين . وكذا آية الكهف. 31 - وقوع مفعول موقع فاعل، كقوله: حجابا مستورا إنه كان وعده مأتيا . أي ساترا، وآتيا. 32 - وقوع فاعل موقع مفعول، نحو عيشة راضية . ماء دافق . 33 - الفصل بين الموصوف والصفة، نحو: أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى . الأعلى: 5، 6، إن أعرب أحوى صفة للمرعى، أي حالا. 34 - إيقاع حرف مكان غيره، نحو: بأن ربك أوحى لها . والأصل إليها. [ ص: 31 ] 35 - تأخير الوصف غير الأبلغ عن الأبلغ. ومنه: الرحمن الرحيم. رؤوف رحيم، لأن الرأفة أبلغ من الرحمة. 36 - حذف الفاعل ونيابة المفعول نحو: وما لأحد عنده من نعمة تجزى . 37 - إثبات هاء السكت، نحو: ماليه. سلطانيه. ما هيه. 38 - الجمع بين المجرورات، نحو: ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ، فإن الأحسن الفصل بينهما، إلا أن مراعاة الفاصلة اقتضت عدمه. 39 - العدول عن صيغة المضي إلى صيغة الاستقبال، نحو: ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ، الأصل قتلتم. 40 - تغيير بنية الكلمة، نحو: وطور سينين التين: 2. والأصل طور سيناء. قال ابن الصائغ: لا يمتنع في توجيه الخروج عن الأصل في الآيات المذكورة أمور أخرى مع وجه المناسبة، فإن القرآن العظيم - كما جاء في الأثر - لا تنقضي عجائبه. وقال ابن أبي الإصبع: لا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء: التمكين، والتصدير، والتوشيح، والإيغال. والتمكين - ويسمى ائتلاف القافية: أن يمهد الناثر للقرينة أو الشاعر للقافية تمهيدا تأتي به القافية أو القرينة متمكنة في أماكنها مستقرة في قرارها، مطمئنة في مواضعها، غير نافرة ولا قلقة، ومتعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما، بحيث لو طرحت لاختل المعنى واضطرب الفهم، وبحيث لو سكت عنها كمله السامع بطبعه. ومن أمثلة ذلك قوله: يا شعيب أصلاتك تأمرك . فإنه [ ص: 32 ] لما تقدم في الآية ذكر العبادة وتلاه ذكر التصرف في الأموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الترتيب ، لأن الحلم يناسب العبادات، والرشد يناسب الأموال. وقوله: أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ... إلى قوله: أفلا يبصرون السجدة: 26، 27 . فأتى في الآية الأولى بـ يهد لهم، وختمها ب "يسمعون "، لأن الموعظة فيها مسموعة وهي أخبار القرون. وفي الثانية بـ يروا، وختمها بـ "يبصرون" لأنها مرئية. وقوله: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير . فإن اللطيف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبير يناسب ما يدركه. وقوله: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ... إلى قوله: فتبارك الله أحسن الخالقين ، فإن في هذه الفاصلة التمكين التام المناسب لما قبلها. وقد بادر بعض الصحابة حين نزل أول الآية إلى ختمها بها قبل أن يسمع آخرها، فأخرج ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن زيد بن ثابت، قال: أملى علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ... إلى قوله: خلقا آخر - قال معاذ بن جبل: فتبارك الله أحسن الخالقين فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله، قال: بها ختمت. وحكي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ: " فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم ". ولم يكن يقرأ القرآن، فقال: إن هذا ليس بكلام الله، لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه.

التالي السابق


الخدمات العلمية