الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 230 ] تنبيهات الأول: ذكر قدامة من أنواع البديع الإشارة، وفسرها بالإتيان بكلام قليل ذي معان جمة، وهذا هو إيجاز القصر بعينه، لكن فرق بينهما ابن أبي الإصبع بأن الإيجاز دلالته مطابقة، ودلالة الإشارة إما تضمين أو التزام، فعلم منه أن المراد به ما تقدم في مبحث المنطوق. الثاني: ذكر القاضي أبو بكر في إعجاز القرآن أن من الإيجاز نوعا يسمى التضمين، وهو حصول معنى في لفظ من غير ذكر له باسم أو صفة هي عبارة عنه، قال: وهو نوعان: أحدها ما يفهم من البنية، كقولك: معلوم، فإنه يوجب أنه لا بد من عالم. والثاني من معنى العبارة، كـ بسم الله الرحمن الرحيم. فإنه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله والتبرك باسمه. الثالث: ذكر ابن الأثير وصاحب عروس الأفراح وغيرها أن من أنواع إيجاز القصر باب الحصر، سواء كان بإلا أو بإنما أو غيرها من أدواته، لأن الجملة فيها نابت مناب جملتين. وباب العطف، لأن حرفه وضع للإغناء عن إعادة العوامل. وباب النائب عن الفاعل، لأنه دل على الفاعل بإعطائه حكمه. وعلى المفعول بوضعه. وباب الضمير، لأنه وضع للاستغناء عن الظاهر اختصارا. ولهذا لا يعدل إلى المنفصل مكان المتصل. وباب علمت أنك قائم، لأنه محل لاسم واحد سد مسد المفعولين من غير حذف. ومنها باب التنازع إذا لم تقدر على رأي الفراء. ومنها طرح المفعول اختصارا على جعل المتعدي كاللازم، وسيأتي تحريره. ومنها جميع أدوات الاستفهام والشرط، فإن " كم مالك "، يغني عن قولك: أهو عشرون أم ثلاثون، وهكذا إلى ما لا يتناهى. ومنها الألفاظ الملازمة للعموم كأحد. [ ص: 231 ] ومنها لفظ التثنية والجمع، فإنه يغني عن تكرير المفرد، وأقيم الحرف فيها مقامه اختصارا. ومما يصلح أن يعد من أنواعه المسمى بالاتساع من أنواع البديع، وهو أن يأتي بكلام يتسع فيه التأويل بحسب ما تحتمله ألفاظه من المعاني، كفواتح السور، ذكره ابن أبي الإصبع.

القسم الثاني من قسمي الإيجاز إيجاز الحذف، وله فوائد ذكر أسبابه: منها: مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث لظهوره. ومنها: التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم، وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء، وقد اجتمعا في قوله: ناقة الله وسقياها ، فناقة الله تحذير بتقدير ذروا، وسقياها إغراء بتقدير الزموا. ومنها: التفخيم والإعظام لما فيه من الإيهام. قال حازم في " منهاج البلغاء ": إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء، فيكون في تعدادها طول وسآمة، فيحذف ويكتفى بدلالة الحال وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها. قال: ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل على النفوس. ومنه قوله في وصف أهل الجنة: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها . فحذف الجواب إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه وترك النفوس تقدر ما شاءته، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك. وكذا قوله: ولو ترى إذ وقفوا على النار ، أي لرأيت أمرا فظيعا لا تكاد تحيط به العبارة. ومنها: التخفيف لكثرة دورانه في الكلام، كما في حذف حرف النداء، نحو: [ ص: 232 ] يوسف أعرض عن هذا . ونون لم يك، والجمع السالم. ومنه قراءة: والمقيمي الصلاة . وياء: والليل إذا يسر . وسأل المؤرج السدوسي الأخفش عن هذه الآية، فقال: عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه، والليل لما كان لا يسري، وإنما يسرى فيه، نقص منه حرف، كما قال تعالى: وما كانت أمك بغيا . الأصل بغية، فلما حول عن فاعل نقص منه حرف. ومنها: كونه لا يصلح إلا له، نحو: عالم الغيب والشهادة ، فعال لما يريد . ومنها: شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء، قال الزمخشري: وهو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطق من لسان المقال، وحمل عليه قراءة حمزة: تساءلون به والأرحام ، لأن هذا مكان شهر بتكرير الجار، فقامت الشهرة مقام الذكر. ومنها: صيانته عن ذكره تشريفا، كقوله: قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما . حذف فيها المبتدأ في ثلاثة مواضع قبل ذكر الرب، أي هو رب. والله ربكم. والله رب المشرق، لأن موسى استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال فأضمر اسم الله تعظيما وتفخيما. ومثله في عروس الأفراح: رب أرني أنظر إليك ، أي ذاتك. ومنها: صيانة اللسان عنه تحقيرا له، نحو: صم بكم . أي هم، أو المنافقون. ومنها: قصد العموم، نحو: وإياك نستعين ، أي على [ ص: 233 ] العبادة وعلى أمورنا كلها. والله يدعو إلى دار السلام ، أي كل واحد. ومنها رعاية الفاصلة، نحو: ما ودعك ربك وما قلى . أي وما قلاك. ومنها: قصد البيان بعد الإبهام، كما في فعل المشيئة، نحو: فلو شاء لهداكم ، أي فلو فاء هدايتكم، فإنه إذا سمع السامع فلو شاء تعلقت نفسه بما شاء، انبهم عليه، لا يدرى ما هو. فلما ذكر الجواب استبان بعد ذلك. وأكثر ما يقع ذلك بعد أداة شرط، لأن مفعول المشيئة مذكور في جوابها. وقد يكون مع غيرها استدلالا بغير الجواب، نحو: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . وقد ذكر أهل البيان أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكر إلا إذا كان غريبا أو عظيما، نحو: لمن شاء منكم أن يستقيم . لو أردنا أن نتخذ لهوا . وإنما اطرد أو كثر حذف مفعول المشيئة دون سائر الأفعال، لأنه لا يلزم من وجود المشيئة وجود المشاء، فالمشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلا مشيئة الجواب، ولذلك كانت الإرادة مثلها في اطراد حذف مفعولها. ذكره الزملكاني والتنوخي في الأقصى القريب، قالوا: إذا حذف بعد لو فهو المذكور في جوابها أبدا. وأورد في عروس الأفراح: قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة . فإن المعنى لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل الملائكة، لأن المعنى معين على ذلك.

فائدة قال الشيخ عبد القاهر: ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره. [ ص: 234 ] وسمى ابن جني الحذف شجاعة العربية، لأنه يشجع على الكلام.

قاعدة في حذف المفعول اختصارا واقتصارا قال ابن هشام: جرت عادة النحويين أن يقولوا بحذف المفعول اختصارا واقتصارا، ويريدون بالاختصار الحذف لدليل، وبالاقتصار الحذف لغير دليل، ويمثلونه بنحو: كلوا واشربوا ، أي أوقعوا هذين الفعلين. والتحقيق أن يقال: يعني كما قال أهل البيان: تارة يتعلق الغرض بالإعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه ومن أوقع عليه، فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عام، فيقال حصل حريق أو نهب. وتارة يتعلق بالإعلام بمجرد إيقاع الفعل للفاعل، فيقتصر عليهما ولا يذكر المفعول ولا ينوى، إذ المنوي كالثابت، ولا يسمى محذوفا، لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول معه، ومنه: ربي الذي يحيي ويميت . هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون . وكلوا واشربوا ولا تسرفوا . وإذا رأيت ثم . إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة. وهل يستوي من يتصف بالعلم ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل والشرب وذروا الإسراف. وإذا حصلت منك رؤية. ومنه: ولما ورد ماء مدين . ألا ترى أنه عليه السلام رحمهما إذ كانتا على صفة الذياد وقومهما على السقي لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من " لا نسقي " السقي لا المسقي. ومن لم يتأمل قدر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنما. وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعوله، فيذكران، نحو: لا تأكلوا الربا ، ولا تقربوا الزنا . وهذا النوع الذي إذا لم يذكر محذوفه قيل [ ص: 235 ] محذوف، وقد يكون في اللفظ ما يستدعيه فيحصل الجزم بوجود تقديره، نحو: أهذا الذي بعث الله رسولا . وكلا وعد الله الحسنى . وقد يشتبه الحال في الحذف وعدمه، نحو: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن . قد يتوهم أن معناه نادوا فلا حذف، أو سموا فالحذف واقع.

ذكر شروطه هي ثمانية: أحدها: وجود دليل إما حالي، نحو: قالوا سلاما . أي سلمنا سلاما. أو مقالي، نحو: وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا . أي أنزل خيرا. قال سلام قوم منكرون . أي سلام عليكم، أنتم قوم منكرون. ومن الأدلة العقل حيث تستحيل صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف. ثم تارة يدل على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه، بل يستفاد التعيين من دليل آخر، نحو: حرمت عليكم الميتة . فإن العقل يدل على أنها ليست المحرمة، لأن التحريم لا يضاف إلى الإحرام، وإنما هو والحل مضافان إلى الأفعال، فعلم بالعقل حذف شيء. وأما تعيينه وهو التناول فمستفاد من الشرع، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما حرم أكله لأن العقل لا يدرك محل الحرام ولا الحرمة. وأما قول صاحب التلخيص إنه من باب دلالة العقل أيضا فتابع فيه السكاكي من غير تأمل أنه مبني على أصول المعتزلة. وتارة يدل العقل أيضا على التعيين، نحو: وجاء ربك ، أي أمره، بمعنى عذابه، لأن العقل دل على استحالة مجيء الباري، لأنه من سمات [ ص: 236 ] الحادث، وعلى أن الجائي أمره. أوفوا بالعقود . وأوفوا بعهد الله . أي بمقتضى العقود وبمقتضى عهد الله، لأن العقد والعهد قولان قد دخلا في الوجود وانقضيا، فلا يتصور فيهما وفاء ولا نقض، وإنما الوفاء والنقض بمقتضاهما وما ترتب عليهما من أحكامهما. وتارة يدل على التعيين العادة، نحو: فذلكن الذي لمتنني فيه . دل العقل على الحذف، لأن يوسف لا يصح ظرفا للوم، ثم يحتمل أن يقدر لمتنني في حبه، لقوله: قد شغفها حبا، أو في مراودته، لقوله: تراود فتاها . والعادة دلت على الثاني، لأن الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه عادة. لأنه ليس اختياريا، بخلاف المراودة للقدرة على دفعها. وتارة يدل عليه التصريح به في موضع آخر، وهو أقواها، نحو: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله أي أمره، بدليل: أو يأتي أمر ربك. وجنة عرضها السماوات . أي كعرض، بدليل التصريح به في آية الحديد. رسول من الله ، أي من عند الله بدليل: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم . ومن الأدلة على أصل الحذف العادة، بأن يكون العقل غير مانع من إجراء اللفظ على ظاهره من غير حذف، نحو: لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، أي مكان قتال، والمراد مكانا صالحا للقتال، وإنما كان كذلك لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال، ويتعيرون بأن يتفوهوا بأنهم لا يعرفونه. فالعادة تمنع أن يريدوا لو نعلم حقيقة القتال، فلذلك قدره مجاهد مكان قتال. ويدل عليه أنهم أشاروا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يخرج من المدينة. ومنها الشروع في الفعل، نحو: " بسم الله " . فيقدر ما جعلت التسمية مبدأ له، فإن كانت عند الشروع في القراءة قدرت أقرأ، أو الأكل قدرت آكل. وعلى هذا أهل البيان قاطبة، خلافا لقول النحاة: إنه يقدر ابتدأت، أو ابتدائي كائن بسم الله. [ ص: 237 ] ويدل على صحة الأول التصريح به في قوله: وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها . وفي الحديث: باسمك اللهم وضعت جنبي. ومنها الصناعة النحوية، كقولهم في لا أقسم: التقدير لأنا أقسم، لأن فعل الحال لا يقسم عليه. وفي: تالله تفتأ : التقدير لا تفتأ، لأنه لو كان الجواب مثبتا لدخلت اللام والنون كقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم . وقد توجب الصناعة التقدير وإن كان المعنى غير متوقف عليه، كقولهم في لا إله إلا الله: إن الخبر محذوف، أي موجود. وقد أنكره الإمام فخر الدين، وقال: هذا كلام لا يحتاج إلى تقدير. وتقدير النحاة فاسد، لأن نفي الحقيقة مطلقة أتم من نفيها مقيدة، فإنها إذا انتفت مطلقة كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد. وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر. ورد بأن تقديرهم موجود يستلزم نفي كل إله غير الله قطعا، فإن العدم لا كلام فيه، فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة. ثم لا بد من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهر أو مقدر، وإنما يقدر النحوي ليعطي القواعد حقها وإن كان المعنى مفهوما.

تنبيه: قال ابن هشام: إنما يشترط الدليل فما إذا كان المحذوف الجملة بأسرها، أو أحد ركنيها، أو يفيد معنى فيها هي مبنية عليه، نحو: تالله تفتأ ، أما الفضلة فلا يشترط لحذفها وجدان دليل، بل يشترط ألا يكون في حذفها ضرر معنوي أو صناعي. قال: ويشترط في الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف. ورد قول الفراء في أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين . إن [ ص: 238 ] التقدير: بل ليحسبنا قادرين، لأن الحسبان المذكور بمعنى الظن، والمقدر بمعنى العلم، إذ التردد في الإعادة كفر، فلا يكون مأمورا به. قال: والصواب فيها قول سيبويه: إن " قادرين " حال، أي بلى نجمعها "قادرين" لأن فعل الجمع أقرب من فعل الحسبان، ولأن " بلى " لإيجاب المنفي، وهو فيها فعل الجمع. الشرط الثاني: ألا يكون المحذوف كالجزء، ومن ثم لم يحذف الفاعل ولا نائبه، ولا اسم كان وأخواتها. قال ابن هشام: وأما قول ابن عطية في: بئس مثل القوم . إن التقدير بئس المثل مثل القوم. فإن أراد هذا الإعراب، وأن الفاعل لفظ المثل محذوفا فمردود، وإن أراد تفسير المعنى وأن في بئس ضمير المثل مستتر فسهل. الثالث: ألا يكون مؤكدا، لأن الحذف مناف للتأكيد، إذ الحذف مبني على الاختصار والتأكيد مبني على الطول، ومن ثم رد الفارسي على الزجاج في قوله: إن هذان لساحران - إن التقدير: إن هذان لهما ساحران. فقال: الحذف والتوكيد باللام متنافيان. وأما حذف الشيء لدليل وتوكيده فلا تنافي بينهما، لأن المحذوف لدليل كالثابت. الرابع: ألا يؤدي حذفه إلى اختصار المختصر، ومن ثم لم يحذف اسم الفعل لأنه اختصار للفعل. الخامس: ألا يكون عاملا ضعيفا، فلا يحذف الجار والناصب للفعل والجازم إلا في مواضع قويت فيها الدلالة، وكثر فيها استعمال تلك العوامل. السادس: ألا يكون عوضا عن شيء، ومن ثم قال ابن مالك: إن حرف النداء ليس عوضا من أدعو، لإجازة العرب حذفه، ولذا أيضا لم تحذف التاء من إقامة واستقامة. وأما: وإقام الصلاة ، فلا يقاس عليه، ولا خبر كان، لأنه عوض أو كالعوض من مصدرها. [ ص: 239 ] السابع: ألا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، ولا إلى إعمال العامل الضعيف مع إمكان إعمال العامل القوي، ومن ثم لم يقس على قراءة: " وكل وعد الله الحسنى " . فائدة اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن، ولهذا قال في قوله: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا . إن الأصل لا تجزي فيه، فحذف حرف الجر فصار تجزيه، فحذف الضمير فصار تجزي. وهذه ملاطفة في الصناعة. ومذهب سيبويه أنهما حذفا معا. قال ابن جني: وقول الأخفش في النفس أوفق وآنس من أن يحذف الحرفان معا في وقت واحد.

قاعدة الأصل أن يقدر الشيء في مكانه الأصلي، لئلا يخالف الأصل من وجهين: الحذف، ووضع الشيء في غير محله، فيقدر المفسر في نحو: زيدا رأيته، مقدما عليه. وجوز البيانيون تقديره مؤخرا عنه، لإفادة الاختصاص، كما قاله النحاة إذا منع منه مانع، نحو: وأما ثمود فهديناهم . إذ لا يلي أما فعل. قاعدة ينبغي تقليل المقدر ما أمكن، لتقل مخالفة الأصل، ومن ثم ضعف قول الفارسي في: واللائي لم يحضن إن التقدير فعدتهن ثلاثة أشهر. والأولى أن يقدر كذلك. قال الشيخ عز الدين: ولا يقدر من المحذوفات إلا أشدها موافقة للغرض وأفصحها، لأن العرب لا يقدرون إلا ما لو لفظوا به لكان أنسب وأحسن لذلك الكلام، كما يفعلون ذلك في الملفوظ به، نحو: جعل الله الكعبة البيت الحرام [ ص: 240 ] قياما للناس . قدر أبو علي جعل الله نصب الكعبة. وقدر غيره حرمة الكعبة وهو أولى، لأن تقدير الحرمة في الهدي والقلائد والشهر الحرام لا شك في فصاحته، وتقدير النصب فيها بعيد من الفصاحة. قال: ومهما تردد المحذوف بين الحسن والأحسن وجب تقدير الأحسن، لأن الله وصف كتابه بأنه أحسن الحديث، فليكن محذوفه أحسن المحذوفات، كما أن ملفوظه أحسن الملفوظات. قال: ومتى تردد بين أن يكون مجملا أو مبينا فتقدير المبين أحسن، نحو: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث . لك أن تقدر " في أمر الحرث " و" في تضمين الحرث "، وهو أولى لتعينه، والأمر مجمل لتردده بين أنواع.

قاعدة إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلا والباقي فاعلا، وكونه مبتدأ والباقي خبرا، فالثاني أولى، لأن المبتدأ عين الخبر فالمحذوف عين الثابت، فيكون حذفه كلا حذف. فأما الفعل فإنه غير الفاعل، اللهم إلا أن يعتضد الأول برواية أخرى في ذلك الموضع، أو بموضع آخر يشبهه، فالأول كقراءة: " يسبح له فيها بالغدو والآصال " - بفتح الباء. " كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله " - بفتح الحاء، فإن التقدير يسبحه رجال، ويوحيه الله، ولا يقدران مبتدأين حذف خبرهما لثبوت فاعلية الاسمين في رواية من بنى الفعل للفاعل. والثاني، نحو: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فتقدير " خلقهم الله " أولى من " الله خلقهم " لمجيء: خلقهن العزيز العليم.

قاعدة إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولا أو ثانيا فكونه ثانيا أولى. ومن ثم رجح أن المحذوف في نحو: أتحاجوني في الله - نون الوقاية لا نون الرفع. وفي: نارا تلظى التاء للتأنيث لا تاء المضارعة. [ ص: 241 ] وفي: والله ورسوله أحق أن يرضوه . أن المحذوف خبر الثاني لا الأول. وفي نحو: الحج أشهر . أن المحذوف مضاف للثاني أي حج أشهر، لا إلى الأول، أي أشهر الحج. وقد يجب كونه من الأول، نحو: إن الله وملائكته يصلون على النبي . وفي قراءة من - رفع ملائكته، لاختصاص الخبر بالثاني، لوروده بصيغة الجمع. وقد يجب كونه من الثاني، نحو:أن الله بريء من المشركين ورسوله . أي بريء أيضا، لتقدم الخبر على الثاني.

التالي السابق


الخدمات العلمية