الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خطبة الكتاب

جزء التالي صفحة
السابق

والنبي إنسان ذكر حر سليم الخلقة مما ينفر عادة كالعمى والبرص ، أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه ، فإن أمر بذلك فرسول أيضا ، أو وأمر بتبليغه وإن لم يكن له كتاب أو نسخ لبعض شرع من قبله كيوشع ، فإن كان له ذلك فرسول أيضا قولان ، فالنبي أعم من الرسول عليهما ، وفي ثالث أنهما بمعنى وهو معنى الرسول على الأول المشهور . والرسول باعتبار الملائكة أعم من النبي إذ يكون من الملائكة والبشر ، وفي التنزيل { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } ويؤخذ من كلام المصنف تفضيله على جميع الخلق الأنبياء والملائكة وغيرهم ; لأنه حذف المفضل عليه وحذف المعمول يؤذن بالعموم ، وهو مذهب أهل السنة ، قالوا : إن النوع الإنساني أفضل من نوع الملائكة ، وأن [ ص: 35 ] خواص بني آدم وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم ، وأن عوام بني آدم وهم الأتقياء الأولياء أفضل من عوام الملائكة كالسياحين منهم ، قال تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس } وقال تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } وفي الصحيحين { أنا سيد ولد آدم } ويؤخذ منه تفضيله على آدم أيضا بطريق الأولى ; لأن أفضل الأنبياء والمرسلين أولو العزم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل إن أفضل الأنبياء بعد نبينا آدم ، وعليه فيؤخذ تفضيله عليه من قوله صلى الله عليه وسلم { أنا سيد الناس يوم القيامة } وخص يوم القيامة بالذكر لظهوره لكل أحد بلا منازعة كقوله تعالى { لمن الملك اليوم لله } وقوله صلى الله عليه وسلم { آدم ومن دونه تحت لوائي } وقوله صلى الله عليه وسلم في خبر الترمذي { وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر } ونوع الآدمي أفضل الخلق فهو صلى الله عليه وسلم أفضلهم .

وقد حكى الرازي الإجماع على أنه مفضل على جميع العالمين . وأما قوله صلى الله عليه وسلم { لا تفضلوا بين الأنبياء } وقوله { لا تفضلوني على يونس بن متى } ونحوهما . فأجيب عنها بأنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم فإن ذلك كفر ، أو عن تفضيل في نفس النبوة التي لا تتفاوت لا في ذوات الأنبياء المتفاوتين بالخصائص ، وقد قال تعالى { فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } أو نهى عن ذلك تأدبا وتواضعا ، أو نهى عنه قبل علمه بأنه أفضل الخلق ، ولهذا لما علم قال { أنا سيد ولد آدم ولا فخر } وقد بينا ترتيب أولي العزم في الأفضلية في شرح العباب والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ، واختلف في عدد الرسل منهم فقيل ثلاثمائة وأربعة عشر ، وقيل ثلاثة عشر ، وأحرف اسم نبينا بالجمل الكبير ثلاثمائة وأربعة عشر ، إذ فيه ثلاث ميمات ; لأن الحرف المشدد بحرفين ولفظ ميم ثلاثة أحرف ، فجملتها مائتان وسبعون ، ولفظ دال بخمسة وثلاثين ، ولفظ حاء بتسعة ، ففي اسمه الكريم إشارة إلى أن جميع الكمالات الموجودة في المرسلين موجودة فيه ، وزيادة واحد على القول بأنهم ثلاثمائة [ ص: 36 ] وثلاثة عشر .

وذكر التشهد لخبر أبي داود والترمذي : { كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء } : أي القليلة البركة ، وتطلق اليد الجذماء على التي ذهب أصابعها دون الكف أو معه ، فشبه ما لا تشهد فيه من الخطب باليد التي فقدت أصابعها مع كفها أو دونه فلا يقدر صاحبها على التوصل بها إلى تحصيل ما حاوله ، فإطلاق الأقطع على ما ذكر تشبيه بليغ أو استعارة على القولين لعلماء البيان فيما حذفت فيه أداة التشبيه ، وجعل المشبه به خبرا عن المشبه والمختار منهما الأول ( صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه ) أي عنده ، والقصد بذلك الدعاء ; لأن الكامل يقبل زيادة الترقي ، فاندفع ما زعمه جمع من امتناع الدعاء له صلى الله عليه وسلم عقب نحو ختم القرآن باللهم اجعل ذلك زيادة في شرفه صلى الله عليه وسلم على أن جميع أعمال أمته تتضاعف له نظيرها ; لأنه السبب فيها أضعافا مضاعفة لا تحصى ، فهي زيادة في شرفه ، وإن لم يسأل ذلك له فسؤاله تصريح بالمعلوم ، وقد أوضحت ذلك وبينت دليله من السنة فيما علقته من الفتاوى : أي اللهم صل وسلم عليه وزده ، وأتى بالأفعال بصيغة الماضي رجاء لتحقق حصول المسئول ، وبالصلاة والتسليم امتثالا لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } وقد فسر قوله تعالى { ورفعنا لك ذكرك } بأن معناه : لا أذكر إلا وتذكر معي ، والصلاة من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم ، ومن الملائكة استغفار ، ومن المكلفين تضرع ودعاء ، وقرن بينها وبين السلام خروجا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر .

فإن قلت : قد جاءت الصلاة عليه غير مقرونة بالتسليم في آخر التشهد في الصلاة . فالجواب : أن السلام تقدم فيه في قوله السلام عليك أيها النبي ، وفضلا وشرفا يجوز ترادفهما ، فالجمع للإطناب ، ويحتمل الفرق بأن الأول لطلب زيادة العلوم والمعارف الباطنة ، والثاني لطلب زيادة الأخلاق الكريمة الظاهرة ، وفرق بعضهم بأن الأول ضد النقص ، والثاني علو المجد ، وهو إلى الترادف أقرب

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : كالعمى والبرص ) قال ابن حجر : ولا يرد بلاء أيوب وعمى نحو يعقوب بناء على أنه حقيقي لطروه بعد الإنباء والكلام فيما قارنه انتهى ( قوله : وفي ثالث أنهما ) وعلى كل من الأخيرين من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه ليس بنبي ولا رسول ( قوله : بمعنى ) في ابن حجر أن هذا القول غلط ، وبالغ في بيانه والرد على من انتصر له ، ويلزمه بمقتضى ما علل به أن الثاني الواقع في كلامهم غلط أيضا فليراجع فإن مجرد ما علل به ومنه ورود الخبر بعدد الأنبياء لا يقضي التغليط ( قوله : والرسول باعتبار الملائكة ) أي باعتبار أنه قد يطلق على الملائكة ( قوله : وهو مذهب أهل السنة ) أي أفضليته على جميع الخلق ، وقد يفهم هذا أن غيرهم يخالف في ذلك ، وسيأتي عن الرازي الإجماع [ ص: 35 ] على أنه مفضل على جميع العالمين ( قوله كالسياحين منهم ) أي الملائكة ( قوله : لقوله تعالى { لمن الملك اليوم لله } ) ظاهره أنه يقول ذلك في يوم القيامة ، وعبارة البدور السافرة نصها : ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول : أي رب قد مات حملة العرش ، فيقول وهو أعلم : فمن بقي ؟ فيقول : بقيت أنت الحي الذي لا تموت ، وبقيت أنا ، فيقول : أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت ، فمت فيموت ، فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد طوى السماء والأرض كطي السجل للكتب وقال : أنا الجبار لمن الملك اليوم ثلاث مرات ، فلم يجبه أحد فيقول لنفسه : لله الواحد القهار انتهى ( قوله : آدم ومن دونه ) أي وجد بعده ( قوله : تأدبا وتواضعا ) لا يظهر هذا الجواب بالنسبة لقوله { لا تفضلوا بين الأنبياء } وإنما يظهر على قوله { لا تفضلوني على يونس } .

( قوله : وقد بينا ترتيب أولي العزم في الأفضلية في شرح العباب ) وعبارته والأرجح في ترتيب أفضلية أولي العزم بعد نبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام تقديم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم نوح انتهى ، وقد أشار إلى هذا الترتيب قول بعضهم :

محمد إبراهيم موسى كليمه فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم

( قوله : فقيل ثلاثمائة ) عبارة ابن حجر وخمسة عشر واقتصر على ذلك انتهى . [ ص: 36 ] قوله : والمختار منهما الأول ) هو قوله فإطلاق الأقطع على ما ذكر تشبيه بليغ ( قوله : امتثالا لقوله تعالى ) فيه الآية إنما تدل على طلب الصلاة والتسليم وذلك بمجرده لا يقتضي طلبهما في كل أمر فكان الأولى الاستدلال بما روي من { أن كل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أبتر ممحوق من كل بركة } إلا أن يقال إن تلك الرواية لما كان في سندها ضعف لم يحتج بها ، واكتفى بالآية لدلالتها على أصل الطلب ، على أن الآية فيها طلب الصلاة والتسليم بخلاف الحديث ( قوله ومن المكلفين تضرع ودعاء ) إنما قال المكلفين دون الآدميين ليشمل الجن ، ولم يتعرض كابن حجر والمحلي هنا لبقية الحيوانات والجمادات .

ونقل عن شرح المشكاة لابن حجر أنها من بقية الحيوانات كالآدمي ، وأنه لم يرد شيء في الجمادات فلتراجع عبارته ( قوله : إفراد أحدهما عن الآخر ) قال ابن حجر : والإفراد إنما يتحقق إن اختلف المجلس أو الكتاب ا هـ بحروفه .

والشارح لم يبين هنا ما يتحقق به الإفراد ، ويؤخذ من جوابه من عدم الإفراد في التشهد أن الموالاة بينهما لا تشترط ولا تعرض فيه لغير ذلك فليراجع ( قوله : السلام عليك أيها النبي ) ظاهر هذا الجواب أنه لا يكره تقديم السلام على الصلاة كأن يقول : اللهم سلم وصل على سيدنا محمد ، ويوافقه ظاهر قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } حيث عطف السلام بالواو الدالة على مطلق الجمع فليراجع ( قوله : وهو إلى الترادف أقرب ) قال ابن قاسم على ابن حجر فيه نظر .

ا هـ ولعله أن انتفاء النقض لا يحصل مجدا [ ص: 37 ] ولا رفعة مثلا كفعل المباحات ، والمجد فوق ذلك كالسخاوة وعلو الهمة في العبادات وغير ذلك



حاشية المغربي

( قوله : والرسول باعتبار الملائكة إلخ ) لا يخفى أن معنى الإرسال فيهم هو المعنى اللغوي الذي هو مطلق السفارة لا المعنى الاصطلاحي المار ، فالعموم إنما هو بالنظر إلى اللفظ ( قوله : أعم من النبي ) أي كما أن النبي أعم منه من وجه فبينهما عموم وخصوص وجهي ( قوله : من نوع الملائكة ) في نسخة من النوع الملكي [ ص: 35 ] وهي أنسب وأقعد ( قوله : قال تعالى { كنتم خير أمة } ) شروع في الاستدلال على أفضليته صلى الله عليه وسلم ، ووجه الاستدلال من هذه الآية أن كمال الأمة تابع لكمال نبيها ( قوله : ونوع الآدمي أفضل الخلق إلخ ) تتمة قوله السابق وفي الصحيحين { أنا سيد ولد آدم } وقوله ويؤخذ من ذلك تفضيله على آدم إلى آخر ما انجر إليه الكلام [ ص: 36 ] اعتراض ( قوله : فإطلاق الأقطع إلخ ) سبق قلم ; لأنه إنما يتأتى في روايات البسملة ، والحمدلة المتقدمة في محلها ، ورواية التشهد ليس فيها لفظ أقطع ولا حذف أداة تشبيه ( قوله : ومن الملائكة استغفار ) ينظر ما معنى استغفارهم له صلى الله عليه وسلم الذي الكلام فيه والاستغفار طلب المغفرة ، وهو معصوم .

فإن قلت : المراد الاستغفار بالمعنى اللغوي الذي هو طلب الستر ، والقصد الحيلولة بينه وبين الذنب فيرجع إلى العصمة .

قلت : بعد تسليمه إنما يظهر [ ص: 37 ] في استغفارهم له في حياته ، أما بعد وفاته فلا وإن كان حيا ; لأنه ليس في دار تكليف .

فإن قلت : المراد باستغفارهم له مطلق الدعاء والتضرع .

قلت : فما حكمة المغايرة في التعبير بين دعائهم ودعاء الآدميين



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث