الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وله ) أي للولي ( إذا كان عصبة ) ولو غير محرم كابن عم في الأصح خانية ، وخرج ذوو الأرحام والأم والقاضي ( الاعتراض في غير الكفء ) فيفسخه القاضي ويتجدد بتجدد النكاح ( ما لم ) يسكت حتى ( تلد منه ) لئلا يضيع الولد وينبغي إلحاق الحبل الظاهر به ( ويفتى ) في غير الكفء [ ص: 57 ] ( بعدم جوازه أصلا ) وهو المختار للفتوى ( لفساد الزمان ) فلا تحل مطلقة ثلاثا نكحت غير كفء بلا رضا ولي بعد معرفته إياه فليحفظ ( و ) بناء ( على الأول ) وهو ظاهر الرواية ( فرضا البعض ) من الأولياء قبل العقد أو بعده ( كالكل ) لثبوته لكل كملا كولاية أمان وقود وسنحققه في الوقف ( لو استووا في الدرجة وإلا فللأقرب ) منهم [ ص: 58 ] ( حق الفسخ وإن لم يكن لها ولي فهو ) أي العقد ( صحيح ) نافذ ( مطلقا ) اتفاقا ( وقبضه ) أي ولي له حق الاعتراض ( المهر ونحوه ) مما يدل على الرضا ( رضا ) دلالة إن كان عدم الكفاءة ثابتا عند القاضي قبل مخاصمته وإلا لم يكن رضا كما ( لا ) يكون ( سكوته ) رضا ما لم تلد ، وأما تصديقه بأنه كفء ، فلا يسقط حق الباقين مبسوط

التالي السابق


( قوله إذا كان عصبة ) أي بنفسه ، فلا يرد العصبة بالغير كالبنت مع الابن ، ولا العصبة مع الغير كالأخت مع البنت كما في البحر ح ( قوله في غير الكفء ) أي في تزويجها نفسها من غير كفء ، وكذا له الاعتراض في تزويجها نفسها بأقل من مهر مثلها ، حتى يتم مهر المثل أو يفرق القاضي كما سيذكره المصنف في باب الكفاءة ( قوله فيفسخه القاضي ) فلا تثبت هذه الفرقة إلا بالقضاء لأنه مجتهد فيه وكل من الخصمين يتشبث بدليل ، فلا ينقطع النكاح إلا بفعل القاضي والنكاح قبله صحيح يتوارثان به إذا مات أحدهما قبل القضاء وهذه الفرقة فسخ لا تنقص عدد الطلاق ، ولا يجب عندها شيء من المهر إن وقعت قبل الدخول وبعده لها المسمى وهذا بعد الخلوة الصحيحة ، وعليها العدة ولها نفقة العدة لأنها كانت واجبة فتح ، ولها أن لا تمكنه من الوطء حتى يرضى الولي كما اختاره الفقيه أبو الليث لأن الولي عسى أن يفرق فيصير وطء شبهة ، وأما على المفتى به الآتي فهو حرام لعدم الانعقاد أفاده في البحر .

( قوله ويتجدد ) أي اعتراض الولي بتجدد النكاح ، كما لو زوجها الولي بإذنها من غير كفء فطلقها ثم زوجت نفسها منه ثانيا كان لذلك الولي التفريق ، ولا يكون الرضا بالأول رضا بالثاني فتح ، وقيد بتجديد النكاح لأنه لو طلقها رجعيا ثم راجعها في العدة ليس للولي الاعتراض كما ذكره في الذخيرة ( قوله ما لم يسكت حتى تلد ) زاد لفظ يسكت للإشارة إلى أن سكوته قبل الولادة لا يكون رضا ، وأن هذه ليست من المسائل التي نزل فيها السكوت منزلة القول كما ستأتي الإشارة إليها ، ويفهم منه أنه لو لم يسكت بل خاصم حين علم فكذلك بالأولى فافهم ، لكن يبقى الكلام فيما لو لم يعلم أصلا حتى ولدت فهل له حق الاعتراض ظاهر المتن لا وظاهر الشرح نعم تأمل ( قوله لئلا يضيع الولد ) أي بالتفريق بين أبويه ، فإن بقاءهما مجتمعين على تربيته أحفظ له بلا شبهة فافهم ( قوله وينبغي إلخ ) البحث لصاحب البحر ح ( قوله ويفتي في غير الكفء إلخ ) قيد بذلك لئلا يتوهم عوده إلى قوله : فنفذ نكاح إلخ وللاحتراز عما لو تزوجت بدون مهر المثل ، فقد علمت أن للولي الاعتراض أيضا والظاهر أنه لا خلاف في صحة العقد وأن هذا القول المفتى به خاص بغير الكفء كما أشار إليه للشارح ، ولم أر من أجرى هذا القول في المسألتين ، والفرق إمكان الاستدراك بإتمام مهر المثل فلذا قالوا له الاعتراض حتى يتم مهر المثل أو يفرق القاضي فإذا أتم المهر زال سبب الاعتراض بخلاف عدم الكفاءة ، هذا [ ص: 57 ] ما ظهر لي فافهم .

( قوله بعدم جوازه أصلا ) هذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ، وهذا إذا كان لها ولي لم يرض به قبل العقد ، فلا يفيد الرضا بعده بحر . وأما إذا لم يكن لها ولي فهو صحيح نافذ مطلقا اتفاقا كما يأتي لأن وجه عدم الصحة على هذه الرواية دفع الضرر عن الأولياء ، أما هي فقد رضيت بإسقاط حقها فتح ، وقول البحر : لم يرض به يشمل ما إذا لم يعلم أصلا فلا يلزم التصريح بعدم الرضا بل السكوت منه لا يكون رضا كما ذكرناه فلا بد حينئذ لصحة العقد من رضاه صريحا ، وعليه فلو سكت قبله ثم رضي بعده لا يفيد فليتأمل ( قوله وهو المختار للفتوى ) وقال شمس الأئمة وهذا أقرب إلى الاحتياط كذا في تصحيح العلامة قاسم لأنه ليس كل ولي يحسن المرافعة والخصومة ولا كل قاض يعدل ، ولو أحسن الولي وعدل القاضي فقد يترك أنفة للتردد على أبواب الحكام ، واستثقالا لنفس الخصومات فيتقرر الضرر فكان منعه دفعا له فتح ( قوله نكحت ) نعت لمطلقة وقوله بلا رضا متعلق بنكحت وقوله بعد ظرف للرضا ، والضمير في معرفته للولي وفي إياه لغير الكفء ، وقوله بلا رضا نفي منصب على المقيد الذي هو رضا الولي والقيد الذي هو بعد معرفته إياه فيصدق بنفي الرضا بعد المعرفة وبعدمها وبوجود الرضا مع عدم المعرفة ، ففي هذه الصور الثلاثة لا تحل وإنما تحل في الصورة الرابعة وهو رضا الولي بغير الكفء مع علمه بأنه كذلك ا هـ ح .

قلت : والأنسب أن يقول مع علمه به عينا لما في البحر : لو قال الولي رضيت بتزوجها من غير كفء ، ولم يعلم بالزوج عينا هل يكفي صارت حادثة الفتوى . وينبغي لا يكفي لأن الرضا بالمجهول لا يصح كما ذكره في الخانية فيما إذا استأذنها الولي ولم يسم الزوج فقال لأن الرضا بالمجهول لا يتحقق ولم أره منقولا ا هـ . وأقره في النهر لكن ليس على عمومه لما سيأتي في كلام الشارح أنها لو فوضت الأمر إليه يصح كقولها زوجني ممن تختاره ونحوه . قال الخير الرملي : ومقتضاه أن الولي لو قال لها أنا راض بما تفعلين أو زوجي نفسك ممن تختارين ونحوه أنه يكفي وهو ظاهر لأنه فوض الأمر إليها ولأنه من باب الإسقاط . ا هـ . ( قوله فليحفظ ) قال في الحقائق شرح المنظومة النسفية وهذا مما يجب حفظه لكثرة وقوعه . ا هـ . وقال الكمال : لأن المحلل في الغالب يكون غير كفء ، وأما لو باشر الولي عقد المحلل فإنها تحل للأول . ا هـ .

وفي البحر وهذا كله إذا كان لها ولي وإلا فهو صحيح مطلقا اتفاقا ( قوله وهو ظاهر الرواية ) وبه أفتى كثير من المشايخ فقد اختلف الإفتاء بحر لكن علمت أن الثاني أقرب إلى الاحتياط ( قوله قبل العقد أو بعده ) فيه أن الرضا قبل العقد يصح على كل من الأول والثاني ، وأما المبني على الأول فقط فهو الرضا بعد العقد ، فإنه يصح عليه لا على الثاني المفتى به كما قدمناه عن البحر وكلام المتن يوهم أنه على الثاني لا يكون رضا البعض كالكل ولا وجه له ولعل الشارح قصد بما ذكره دفع هذا الإيهام تأمل ( قوله لثبوته لكل كملا ) لأنه حق واحد لا يتجزأ لأنه ثبت بسبب لا يتجزأ بحر ( قوله كولاية أمان وقود ) فإذا أمن مسلم حربيا ليس لمسلم آخر أن يتعرض للحربي أو لماله ، وإذا عفا أحد أولياء القصاص ليس لولي آخر طلبه ح ( قوله وسنحققه في الوقف ) حيث زاد على ما هنا مما يقوم فيه البعض مقام الكل بعض مستحقي الوقف ينتصب خصما عن الكل ، وكذا بعض الورثة وكذا إثبات الإعسار في وجه أحد الغرماء وولاية المطالبة بإزالة الضرر العام عن طريق المسلمين ( قوله وإلا إلخ ) أي [ ص: 58 ] وإن لم يستووا في الدرجة ، وقد رضي الأبعد فللأقرب الاعتراض بحر عن الفتح وغيره .

( قوله وإن لم يكن لها ولي إلخ ) أي عصبة كما مر ، والأولى التعبير به وهذا الذي ذكره المصنف من الحكم ذكره في الفتح بحثا بصيغة ينبغي أخذا من التعليل بدفع الضرر عن الأولياء ، وأنها رضيت بإسقاط حقها وجزم به في البحر فتبعه المصنف والظاهر أنه لو كان لها عصبة صغير فهو بمنزلة من لا ولي لها لأنه لا ولاية له وكذا لو كان عبدا أو كافرا كما سيشير إليه الشارح عند قوله الولي في النكاح العصبة إلخ كما سنبينه هناك ، وعلى هذا فلو بلغ أو عتق أو أسلم لا يتجدد له حق الاعتراض . وأما لو كان لها عصبة غائب فهو كالحاضر لأن ولايته لا تنقطع بدليل أنه لو زوج الصغيرة حيث هو صح ، وإن كان لها ولي آخر حاضر على ما فيه من الخلاف كما سيأتي والظاهر أيضا أن هذا في البالغة أما الصغيرة فلا يصح لأنها لم ترض بإسقاط حقها ; ألا ترى أنها لو كان لها عصبة فزوجها من غير كفء لم يصح فكذا إذا لم يكن لها عصبة هذا كله ما ظهر لي تفقها من كلامهم ولم أره صريحا .

( قوله مطلقا ) أي سواء نكحت كفؤا أو غيره ح ( قوله اتفاقا ) أي من القائلين برواية ظاهر المذهب والقائلين برواية الحسن المفتى بها ( قوله أي ولي له حق الاعتراض ) يوهم أن الولي في قوله : وإن لم يكن لها ولي المراد به ما يشمل الأرحام وليس كذلك كما علمت فالمناسب ذكر هذا التفسير هناك ليعلم المراد في الموضعين . ويرتفع الإيهام المذكور ( قوله ونحوه ) بالرفع عطفا على قبضه أي ونحو قبض المهر كقبض النفقة أو المخاصمة في أحدهما وإن لم يقبض وكالتجهيز ونحوه فتح ( قوله إن كان إلخ ) كذا ذكره في الذخيرة وأقره في البحر والنهر والشرنبلالي وشرح المقدسي وظاهره أن هذا شرط في الرضا دلالة فقط ، وأن مجرد العلم بعدم الكفاءة لا يكفي هنا بخلاف الرضا الصريح حيث يكفي فيه العلم فقط لكن هذا مخالف لإطلاق المتون ولم يذكره في الفتح ، ولا في كافي الحاكم الذي جمع كتب ظاهر الرواية ، وأيضا فوجهه غير ظاهر إلا أن يكون الفرق انحطاط رتبة الدلالة عن الصريح فليتأمل .

وصورة المسألة : أن تكون هذه المرأة تزوجت غير كفء فخاصم الولي ، وأثبت عند القاضي عدم الكفاءة فقبض الولي المهر قبل التفريق أو فرق القاضي بينهما ثم تزوجته ثانيا بلا إذن الولي فقبض المهر ( قوله كما لا يكون إلخ ) مكرر بقوله المار ما لم يسكت حتى تلد ( قوله وأما تصديقه إلخ ) قال في البحر : قيد بالرضا لأن التصديق بأنه كفء من البعض لا يسقط حق من أنكرها . قال في المبسوط : لو ادعى أحد الأولياء أن الزوج كفء وأثبت الآخر أنه ليس بكفء يكون له أن يطالبه بالتفريق لأن المصدق ينكر سبب الوجوب ، وإنكار سبب الشيء لا يكون إسقاطا له . ا هـ .

وفي الفوائد التاجية : أقام وليها شاهدين بعدم الكفاءة وأقام زوجها بالكفاءة لا يشترط لفظ الشهادة لأنه إخبار ا هـ




الخدمات العلمية