الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب غسل الدم

226 91 - حدثنا محمد ، قال : حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنة أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني امرأة [ ص: 142 ] أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض ، فإذا أقبلت حيضتك ، فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت ، فاغسلي عنك الدم ، ثم صلي ، قال ، وقال أبي : ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت .

التالي السابق


هذا الحديث أيضا مطابق للترجمة .

( بيان رجاله ) : وهم ستة : الأول محمد بن سلام بتخفيف اللام البيكندي ، تقدم في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله ، وقد وقع في أكثر النسخ عند الأكثرين ، حدثنا محمد غير منسوب ، وللأصيلي : حدثنا محمد بن سلام ، ولأبي ذر : حدثنا محمد هو ابن سلام .

الثاني : أبو معاوية الضرير محمد بن خازم بالمعجمتين ، وقد تقدم عن قريب ، الثالث هشام بن عروة بن الزبير ، وقد مر أيضا غير مرة ، الرابع : أبو عروة كذلك ، الخامس : عائشة الصديقة بنت الصديق ، السادس : فاطمة بنت أبي حبيش بضم الحاء المهملة ، وفتح الباء الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره شين معجمة ، القرشية الأسدية ، واسم أبي حبيش قيس بن المطلب ، وقال بعضهم : قيس بن عبد المطلب ، قال بعض الشارحين : وقع في أكثر نسخ مسلم عبد المطلب ، وهو غلط ، قلت : هذا هو الصواب ، وكذا قال الذهبي في ( تجريد الصحابة ) قيس بن المطلب بن أسد ، وهو المطلب بن أسد ، وهي غير فاطمة بنت قيس التي طلقت ثلاثا .

( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه ذكر أبي معاوية هنا بالكنية ، وفي باب غسل البول بالاسم رعاية للفظ الشيوخ ، وفيه حكاية الصحابية عن سؤال الصحابية ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أن البخاري روى ها هنا عن محمد غير منسوب عند الأكثرين كما ذكرنا ، وصرح به في النكاح بقوله : حدثنا محمد بن سلام ، حدثنا أبو معاوية ، وذكر الكلاباذي أن البخاري روى عن محمد بن المثنى ، عن أبي معاوية ، وعن محمد بن سلام ، عن أبي معاوية ، ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق إسحاق بن إبراهيم ، عن أبي معاوية ، وذكر أن البخاري رواه عن محمد بن المثنى ، عن أبي معاوية .

( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في الطهارة ، عن يحيى بن يحيى ، والترمذي ، عن هناد بن السري ، والنسائي ، عن إسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن أبي معاوية به ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وأخرجه أبو داود ، عن أحمد بن يونس ، وعبد الله بن محمد النفيلي ، قالا : حدثنا زهير ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وأخرجه أيضا من مسند فاطمة المذكور .

بيان لغته : قوله : " أستحاض " بضم الهمزة وسكون السين ، وفتح التاء ، قال الجوهري : استحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيامها ، فهي مستحاضة ، وفي الشرع : الحيض عبارة عن الدم الخارج من الرحم ، وهو موضع الجماع والولادة ، لا بعقب ولادة ، مقدرا في وقت معلوم ، وقال الكرخي : الحيض دم تصير المرأة بالغة بابتداء خروجه ، والاستحاضة اسم لما نقص من أقل الحيض ، أو زاد على أكثره ، فإن قلت : ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض وللمفعول في الاستحاضة ، فقيل : استحيضت ، قلت : لما كان الأول معتادا معروفا نسب إليها ، والثاني لما كان نادرا غير معروف الوقت ، وكان منسوبا إلى الشيطان كما ورد أنها ركضة من الشيطان بني لما لم يسم فاعله ، فإن قلت : ما هذه السين فيه ؟ قلت : يجوز أن تكون للتحول كما في استحجر الطين ، وهنا أيضا تحول دم الحيض إلى غير دمه ، وهو دم الاستحاضة ، فافهم ، قوله : " عرق " ، بكسر العين وسكون الراء ، وهو المسمى بالعاذل بالعين المهملة ، والذال المعجمة ، وحكي إهمالها ، قوله : " وليس بحيض " ; لأن الحيض يخرج من قعر الرحم كما ذكرنا ، قوله : " حيضتك " ، بفتح الحاء وكسرها ، وهو بالفتح المرة ، وبالكسر اسم للدم ، والخرقة التي تستثفر بها المرأة ، والحالة ، وقال الخطابي : المحدثون يقولون بالفتح وهو خطأ ، والصواب الكسر ; لأن المراد بها الحالة ، ورده القاضي وغيره ، وقالوا : الأظهر الفتح ; لأن المراد إذا أقبل الحيض ، قوله : " وإذا أدبرت " من الإدبار ، وهو انقطاع الحيض .

( بيان إعرابه ومعناه ) : قوله : " إني امرأة " ، قد علم أن كلمة " إن " لا تستعمل إلا عند إنكار المخاطب للقول ، أو التردد فيه ، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنكار لاستحاضتها ، ولا تردد فيها ، فوجه استعمالها ها هنا يكون لتحقيق نفس القضية إذ كانت بعيدة الوقوع ، نادرة الوجود ، فلذلك أكدت قولها بكلمة إن ، قوله : " أفأدع " أي أفأترك ، وقال الكرماني : فإن قلت الهمزة [ ص: 143 ] تقتضي عدم المسبوقية بالغير ، والفاء تقتضي المسبوقية به ، فكيف يجتمعان ؟ قلت : هو عطف على مقدر ، أي : أيكون لي حكم الحائض فأدع الصلاة ؟ أو الهمزة مقحمة ، أو توسطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني ، أو الهمزة باقية على صرافة الاستفهامية لأنها للتقرير هنا ، فلا يقتضي الصدارة ، انتهى كلامه ، قلت : هذا سؤال عن استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم ، وإزالته ، وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة ، قوله : " لا " ، أي : لا تدعي الصلاة ، قوله : " ذلك " ، بكسر الكاف ، قوله : " عرق " ، أي : دم عرق ; لأن الخارج ليس بعرق ، قوله : " فإذا أقبلت " ، أي : الحيضة ، فدعي الصلاة ، أي : اتركيها ، وإذا أدبرت ، أي : إذا انقطعت ، فإن قلت : ما علامة إدبار الحيض وانقطاعه والحصول في الطهر ؟ قلت : أما عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وأصحابه الزمان والعادة هو الفيصل بينهما ، فإذا أضلت عادتها تحرت ، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل ، وأما عند الشافعي ، وأصحابه اختلاف الألوان هو الفيصل ، فالأسود أقوى من الأحمر ، والأحمر أقوى من الأشقر ، والأشقر أقوى من الأصفر ، والأصفر أقوى من الأكدر ، إذا جعلا حيضا فتكون حائضا في أيام القوي ، مستحاضة في أيام الضعيف ، والتمييز عنده بثلاثة شروط أحدها : أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يوما ، والثاني : أن لا ينقص عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضا ، والثالث : أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوما ليمكن جعله طهرا بين الحيضتين ، وبه قال مالك ، وأحمد ، وقال الثوري : علامة انقطاع الحيض ، والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم ، والصفرة ، والكدرة سواء خرجت رطوبة بيضاء ، أو لم يخرج شيء أصلا ، وقال البيهقي ، وابن الصباغ : الترية رطوبة خفيفة لا صفرة فيها ، ولا كدرة تكون على القطنة أثر لا لون ، وهذا يكون بعد انقطاع الحيض ، قلت : الترية بفتح المثناة من فوق ، وكسر الراء ، وتشديد الياء آخر الحروف ، قال ابن الأثير : الترية بالتشديد ما تراه المرأة بعد الحيض ، والاغتسال منه ، من كدرة ، أو صفرة ، وقيل : هو البياض تراه عند الطهر ، وقيل : هي الخرقة التي تعرف بها المرأة حيضها من طهرها ، والتاء فيها زائدة لأنه من الرؤية ، والأصل فيها الهمز ، لكنهم تركوه ، وشددوا الياء ، فصارت اللفظة كأنها فعلية ، وبعضهم يشدد الراء والياء ، قوله : " فاغسلي عنك الدم ، ثم صلي " ، ظاهره مشكل لأنه لم يذكر الغسل ، ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل ، وأجيب عنه بأن الغسل وإن لم يذكر في هذه الرواية فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة ، قال فيها : فاغتسلي ، والحديث يفسر بعضه بعضا ، وجواب آخر هو بأن يحمل الإدبار على انقضاء أيام الحيض ، والاغتسال ، وقوله : " واغسلي عنك الدم " ، محمول على دم يأتي بعد الغسل ، والأول أوجه ، وأصح ، وأما قول بعضهم : فاغسلي عنك الدم ، وصلي أي فاغتسلي ، فغير موجه أصلا ، قوله : " قال : وقال أبي " ، أي : قال هشام بن عروة ، قال أبي ، وهو عروة بن الزبير ، قوله : " ثم توضئي لكل صلاة " جملة مقول القول ، وادعى قوم أن قوله : " ثم توضئي " ، من كلام عروة موقوفا عليه ، وقال الكرماني : فإن قلت : لفظ " توضئي " إلخ مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو هو موقوف على الصحابي ، قلت : السياق يقتضي الرفع ، وقال بعضهم : لو كان هذا كلام عروة لقال : ثم تتوضأ ، بصيغة الإخبار ، فلما أتى به بصيغة الأمر شاكل الأمر الذي في المرفوع ، وهو قوله : " فاغسلي " ، قلت : كلام كل من الكرماني وهذا القائل احتمال ، فلا يقع به القطع ، ولا يلزم من مشاكلة الصيغتين الرفع .

( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمر من أمور الدين .

الثاني : فيه جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة الشرعية .

الثالث : فيه نهي للمستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض ، وهو نهي تحريم ، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين ، ويستوي فيها الفرض ، والنفل لظاهر الحديث ، ويتبعها الطواف ، وصلاة الجنازة ، وسجدة التلاوة ، وسجدة الشكر .

الرابع : فيه دليل على نجاسة الدم .

الخامس : فيه أن الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض ، واعلم أنها إذا مضى زمن حيضها وجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تدركها ، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاة أو صوما ، ويكون حكمها حكم الطاهرات ، فلا تستظهر بشيء أصلا ، وبه قال الشافعي ، وعن مالك ثلاث روايات ، الأولى : تستظهر ثلاثة أيام وما بعد ذلك استحاضة ، والثانية : تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يوما ، وهي أكثر مدة الحيض عنده ، والثالثة : كمذهبنا .

السادس : استدل بعض أصحابنا في إيجاب الوضوء من خروج الدم من غير السبيلين لأنه [ ص: 144 ] صلى الله عليه وسلم علل نقض الطهارة بخروج الدم من العرق ، وكل دم يبرز من البدن فإنما يبرز من عرق ; لأن العروق هي مجاري الدم من الجسد ، وقال الخطابي : وليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء ، ولا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك ما توهموه ، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق ، وتصدع العرق علة معروفة عند الأطباء يحدث ذلك عند غلبة الدم ، فتتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية ، قلت : ليس معنى الحديث ما ذهب إليه الخطابي لأنه قيد إطلاق الحديث ، وخصص عمومه من غير مخصص ، وهو ترجيح بلا مرجح ، وهو باطل .

السابع : قوله : " لكل صلاة " ، فيه خلاف بين الشافعية ، والحنفية ، وهو أن المستحاضة ، ومن بمعناها من أصحاب الأعذار هل يتوضئون لكل صلاة أو لكل وقت صلاة ؟ وهو مذكور في كتب الفقه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث