الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال تعالى : فلما خر تبينت الجن [سبأ : 14] ؛ أي : ظهر لهم وانكشف أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين .

أي : لو صح ما يزعمونه من أنهم يعلمون الغيب ، لعلموا بموته ، ولم يلبثوا بعد موته مدة طويلة في العذاب ؛ أي : العمل الذي أمرهم به ، والطاعة له ، وهو إذ ذاك ميت .

قال الواحدي : قال المفسرون : كان الناس في زمن سليمان يقولون: إن الجن تعلم الغيب ، فلما مكث سليمان قائما على عصاه حولا ميتا ، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة سليمان ، لا يشعرون بموته ، حتى أكلت الأرضة عصاه ، فخر ميتا ، فعلموا بموته ، وعلم الناس أن الجن لا تعلم الغيب .

وفي الباب روايات بطرق وألفاظ ذكرها في «فتح البيان »

والآية دلت دلالة واضحة على أن الغيب لا تعلمه الجن ، ولا غيرهم من الإنس وغيرهم ، بل هو خاصة لله سبحانه ، وخصيصة لا يشاركه فيه إنس ، ولا جن ، ولا ملك ، ولا غيرهم من الخلق ، ومثبته لغيره سبحانه مشرك بالله ، في صفاته الخاصة به .

وقال تعالى : قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب [سبأ : 48] .

ومن قذفه بالحق تنصيصه سبحانه في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى بأن علم الغيب مختص به تعالى ، وهو مستأثر به ، لا شريك [ ص: 430 ]

له في ذلك أحد من السعداء ، والأشقياء .

وقال تعالى : إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور [فاطر : 38] . أثبت سبحانه لذاته هذا العلم ؛ إشارة إلى عدم شريك له فيه ، وهو الحق الواضح الثابت بأدلة الكتاب والسنة عند كل فقيه ونبيه .

وقال تعالى : فاطر السماوات والأرض [فاطر : 1] ؛ أي : مبدعهما وخالقهما عالم الغيب والشهادة ؛ أي : ما غاب وشوهد أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون [الزمر : 46] قيل هذه محاكمة من النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين إلى الله تعالى .

عن ابن المسيب : لا أعرف آية قرئت ، فدعي عندها ، إلا أجيب ، سواها .

وقال تعالى : قل ما كنت بدعا من الرسل [الأحقاف : 9] أي : ما أنا بأول رسول . قاله ابن عباس .

وما أدري ما يفعل بي فيما يستقبل من الزمان ولا أدري ما يفعل بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي .

فيه نفي العلم عنه صلى الله عليه وسلم وبالأمور المستقبلة به ، وبغيره من الناس . والآية تدل بفحوى الخطاب على اختصاص ذلك العلم به سبحانه وتعالى ، وهو المراد هنا، وقد تقدم تفسيرها في الباب الأول من هذا الكتاب .

وقال تعالى : قال [الأحقاف : 23] ؛ أي : هود -عليه السلام - : إنما العلم بوقت مجيء العذاب عند الله لا عندي ، ولا مدخل لي فيه ، فأستعجل به .

وأبلغكم ؛ أي : وأما أنا ، فإنما وظيفتي التبليغ و ما أرسلت به إليكم من ربكم ولكني أراكم قوما تجهلون فيه نفي علم الغيب عن «هود » النبي -عليه السلام - ، واختصاصه بالله تعالى ، وأن القوم المشركين جاهلون مصرون على كفرهم وشركهم بالله في صفاته الواجبة التي من جملتها العلم بالغيب .

وقال تعالى : إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون [الحجرات : 18] . فيه بيان علمه تعالى بالغيب ، ولازمه ألا يعلمه غيره أصلا ، كائنا من كان . [ ص: 431 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية