الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأسباب الظاهرة التي بها يتيسر بها على قيام الليل

الرابع : أن لا يحتقب الأوزار بالنهار فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة قال رجل للحسن يا أبا سعيد ، إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي لا أقوم ؟ فقال : ذنوبك قيدتك وكان الحسن رحمه الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول : أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء ، فإنهم لا يقيلون وقال الثوري حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته ، قيل وما ذاك الذنب ؟ قال : رأيت رجلا يبكي ، فقلت في نفسي : هذا مراء وقال بعضهم : دخلت على كرز بن وبرة وهو يبكي فقلت : أتاك نعي بعض أهلك ؟ فقال أشد ، فقلت : وجع يؤلمك قال ؟ : أشد . قلت : فما ذاك قال ؟ : بابي مغلق ، وستري مسبل ، ولم أقرأ حزبي البارحة ، وما ذاك إلا بذنب أحدثته وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير ، والشر يدعو إلى الشر ، والقليل من كل واحد منهما يجر إلى الكثير ولذلك قال أبو سليمان الداراني : لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب وكان يقول : الاحتلام بالليل عقوبة ، والجنابة بعد وقال بعض العلماء : إذا صمت يا مسكين ، فانظر عند من تفطر ، وعلى أي شيء تفطر ، فإن العبد ليأكل أكلة فينقلب قلبه عما كان عليه ، ولا يعود إلى حالته الأولى فالذنوب كلها تورث قساوة القلب وتمنع من قيام الليل وأخصها بالتأثير تناول الحرام وتؤثر اللقمة الحلال في تصفية القلب وتحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها ، ويعرف ذلك أهل المراقبة للقلوب بالتجربة بعد شهادة الشرع له ولذلك قال بعضهم : كم من أكلة منعت قيام ليلة ! وكم من نظرة منعت قراءة سورة ! وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات وقال بعض السجانين كنت سجانا نيفا وثلاثين سنة ، أسأل كل مأخوذ بالليل أنه : هل صلى العشاء في جماعة ؟ فكانوا يقولون : لا وهذا . تنبيه على أن بركة الجماعة تنهى عن تعاطي الفحشاء والمنكر .

التالي السابق


(الرابع: أن يجتنب الأوزار) والمعاصي (بالنهار فإن ذلك) ، أي: تحمل الأوزار ربما (يقسي القلب) ويسوده (ويحول بينه وبين أسباب الرحمة) ، فإن القلوب القاسية بعيدة عن الرحمات الإلهية. (قال رجل للحسن) البصري -رحمه الله تعالى -: (يا أبا سعيد، إني أبيت معافى) أي: في بدني، (وأحب قيام الليل وأعد طهوري) أي: أهيئه، (فما بالي) أتكاسل و (لا أقوم ؟) هل لذلك من سبب، (فقال: ذنوبك قيدتك) أي: هي التي منعتك عن القيام. نقله [ ص: 193 ] صاحب "القوت " والعوارف، قال صاحب "القوت ": وكان الحسن يقول: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وصيام النهار .

(وكان الحسن) -رحمه الله تعالى - (إذا دخل السوق فيسمع لغطهم) أي: صياحهم (ولغوهم) . وفي نسخة: لهوهم (يقول: أظن ليل هؤلاء ليل سوء، فإنهم لا يقيلون) . وفي "القوت ": أما يقيلون ؟ أي: في النهار، ولا يسكنون، ولغوهم هو الذي حملهم على عدم قيامهم بالليل، وهذا القول نقله صاحب "القوت " قال: وقال بعض السلف: كيف ينجو التاجر من سوء الحساب وهو يلغو بالنهار وينام بالليل ؟! (وقال) سفيان بن سعيد (الثوري) رحمه الله تعالى: (حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل) له: (وما ذلك الذنب؟) الذي حرمت به قيام الليل، (قال: رأيت رجلا يبكي، فقلت في نفسي: هذا مراء) في بكائه لأجل الرياء. نقله صاحب "القوت " .

(وقال بعضهم: دخلت على كرز بن وبرة) الحارثي نزيل جرجان (فقلت: أتاك نعي بعض أهلك ؟ فقال: أشد. فقلت: وجع) ولفظ " القوت " قلت: فوجع (يؤلمك ؟ فقال: أشد. قلت: فما ذاك ؟) ولفظ " القوت " فماذا ؟ (فقال: بابي مغلق، وستري مسبل، ولم أقرأ حزبي البارحة، وما ذاك إلا بذنب أحدثته) نقله صاحب "القوت "، وهو في الحلية لأبي نعيم.

قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أحمد بن روح، حدثنا محمد بن أشكيب، حدثنا أبو داود الحفري ، قال: دخل على كرز ابن بنته، فإذا هو يبكي، قيل له: ما يبكيك ؟ قال: إن بابي لمغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت حزبي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا من ذنب أحدثته. حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن، حدثنا أبو غسان أحمد بن محمد بن إسحاق، حدثنا الحارث بن مسلم، عن ابن المبارك، عن كرز بن وبرة قال: عجزت عن حزبي، وما أراه إلا بذنب، وما أدري ما هو. اهـ .

(وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير، والشر يدعو إلى الشر، والقليل من كل واحد منهما) أي: من الخير والشر (يجر إلى الكثير) ، ومنه قولهم: قالوا للقليل: إلى أين ذاهب ؟ قال: إلى الكثير، (ولذلك قال أبو سليمان الداراني:) -رحمه الله تعالى - (لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب) أحدثه، نقله صاحب "القوت " إلا أنه قال: صلاة في جماعة، (وكان يقول:) يعني: أبا سليمان الداراني (الاحتلام بالليل عقوبة، والجنابة بعد) فكأنه بعد الصلاة والتلاوة إذ في ذلك قرب، ومن هذا قوله تعالى: فبصرت به عن جنب كذا في "القوت "، ونقله صاحب العوارف، وقال: هذا صحيح; لأن المراعي المتحفظ بحسن تحفظه وعلمه بحاله يقدر ويتمكن من سد باب الاحتلام، ومن كمل تحفظه ورعايته وقيامه بأدب حاله قد يكون من ذنبه الموجب للاحتلام وضع الرأس على الوسادة، فإذا كان ذا عزيمة في ترك الوسادة، فقد يتمهد للنوم، ووضع الرأس على الوسادة بحسن النية من لا يكون ذلك ذنبه وله فيه نية العون على القيام، وقد يكون ذلك ذنبا بالنسبة إلى بعض الناس، فإذا كان هذا القدر يصلح أن يكون ذنبا جالبا للاحتلام، فقس على هذا ذنوب الأحوال، فإنها تختص بأربابها، ويعرفها أصحابها، وقد يترفق بأنواع الرفق من الفراش الوطيء والوسادة، ولا يعاقب بالاحتلام وغيره على فعله إذا كان عالما ذا نية، يعرف مداخل الأمور ومخارجها، وكم من نائم سبق القائم لوفور علمه وحسن نيته، والله أعلم. .

(وقال بعض العلماء: إذا صمت يا مسكين، فانظر عند من تفطر، وعلى أي شيء تفطر، فإن العبد ليأكل الأكلة فينقلب قلبه عما كان عليه، ولا يعود إلى حاله الأول) نقله صاحب "القوت "، (فالذنوب كلها تورث قساوة القلب) وتظلمه (وتمنع من قيام الليل) بثقلها (وأخصها) أي: الذنوب (بالتأثير) في القلب (تناول الحرام) وما فيه شبهة الحرام، (وتؤثر اللقمة الحلال في تصفية القلب وتحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها، ويعرف ذلك أهل المراقبة للقلوب) والحراسة بأنفاسهم عليها (بالتجربة) الصحيحة (بعد شهادة الشرع لذلك) في الكتاب والسنة، (ولهذا قال بعضهم: كم من أكلة منعت قيام الليلة ! وكم من نظرة منعت) ، وفي "القوت ": حرمت (قراءة سورة! وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة) فبحسن التفقد يعرف المزيد من النقصان، وبقلة الذنوب يوقف على التفقد. نقله صاحب "القوت "، (وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات) وتقدم أن الفحشاء [ ص: 194 ] ما يفرضه الطبع السليم، وينقصه العقل المستقيم من رذائل الأعمال الظاهرة، والمنكر ما أنكره العقل واستخبثه الشرع .

(وقال بعض السجانين بدينور:) بكسر الدال المهملة، وسكون الياء التحتية، وفتح النون والواو آخره راء، مدينة مشهورة بفارس (بقيت سجانا نيفا وثلاثين سنة، أسأل عن كل مأخوذ بالليل أنه: هل صلى العشاء في جماعة ؟ فكانوا يقولون: لا. فهذا تنبيه) لأهل الاعتبار (أن بركة الجماعة تمنع من تعاطي الفحشاء والمنكر) يعني: أنهم لو صلوا في جماعة لما أخذوا ليلتهم; لأن بركة الجماعة كانت تمنعهم من تعاطي ما يؤخذون بسببه .

وبقيت أسباب معينة للقيام، لم يشر إليها المصنف، فمن ذلك استقبال الليل عند الغروب بتجديد الوضوء، والقعود مستقبل القبلة منتظرا مجيء الليل، وصلاة المغرب مقيما في ذلك على أنواع الأذكار، ومن ذلك مواصلة ما بين العشاءين بأنواع العبادات، فإنها تغسل من باطنه آثار الكدورة الحادثة في أوقات النهار من رؤية الخلق ومخالطتهم وسماع كلامهم، فإن ذلك كله له أثر وخدش في القلوب، حتى النظر إليهم يعقب كدرا في القلب يدركه من يرزق صفاء القلب، فيكون أثر النظر إلى الخلق في عين البصيرة كالقذى في العين، وبالمواصلة بين العشاءين يرجى ذهاب ذلك الأثر، ومن ذلك ترك الحديث بعد العشاء الأخيرة، فإن الحديث في ذلك الوقت يذهب طراوة النور الحادث في القلب من مواصلة العشاءين، ويعين على قيام الليل سيما إذا كثر وكان عريا عن يقظة القلب، ثم تجديد الوضوء بعد العشاء الآخرة أيضا معين على قيام الليل، قال صاحب العوارف: حكى بعض الفقراء عن شيخ له بخراسان أنه كان يغتسل في الليل ثلاث مرات: مرة بعد العشاء الآخرة، ومرة في أثناء الليل بعد الانتباه من النوم، ومرة قبل الصبح، فللوضوء والغسل بعد العشاء الآخرة أثر ظاهر في تيسير قيام الليل، ومن ذلك القعود على الذكر والقيام بالصلاة حتى يغلب النوم، يعني على سرعة الانتباه إلا أن يكون واثقا من نفسه وعادته، فيتعمد للنوم ويستجلبه ليقوم في وقته المعهود، وإلا فالنوم عن الغلبة هو الذي يصلح للمريدين، كما تقدم، فمن نام عن غلبة بهم مجتمع متعلق بقيام الليل، يوفق لقيام الليل، وإنما النفس إذا طمعت ووطئت على النوم استرسلت فيه، وإذا أزعجت بصدق العزيمة لا تسترسل في الاستقرار، وقد قيل: للنفس نظران نظر إلى تحت لاستيفاء الأقسام البدنية، ونظر إلى فوق لاستيفاء الأقسام الروحانية، فأرباب العزيمة تجافت جنوبهم عن المضاجع لنظرهم إلى فوق إلى الأقسام العلوية الروحانية، فأعطوا النفس حقها من النوم ومنعوها حظها، فالنفس بما فيها مركوز من الترابية والجمادية ترسب وتستلذ النوم، وللآدمي بكل أصل من أصول خلقته طبيعة لازمة له، والرسوب صفة التراب، والكسل والتقاعد والتناوم بسبب ذلك طبيعة في الإنسان، فأرباب الهمة قاموا بالليل فهم لموضع علمهم أزعجوا النفوس عن مقار طبيعتها ورقوها بالنفار إلى اللذات الروحانية إلى ذرى تحقيقها، فتجافت جنوبهم عن المضاجع، وخرجوا عن صفة الغافل الهاجع .

ومن ذلك تغيير العادة إن كان ذا سادة يترك الوسادة، وإن كان ذا وطاء يترك الوطاء، ولتغيير العادة فيهما تأثير في ذلك، ومن ترك شيئا من ذلك، والله أعلم، بنية وعزيمة يثاب على ذلك بتيسير ما رام، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث