الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حسن الخلق

وذكر ابن عبد البر قول سفيان بن عيينة من حسن خلقه ساء خلق خادمه وكان بين سعيد بن العاص وقوم من أهل المدينة منازعة فلما ولاه معاوية المدينة ترك المنازعة وقال لا أنتصر لنفسي وأنا وال عليهم قال ابن عقيل في الفنون هذه والله مكارم الأخلاق .

وروى الخلال عن سهل بن سعد مرفوعا { إن الله كريم يحب الكريم ومعالي الأخلاق ويكره سفسافها } وروي أيضا عن جابر مرفوعا { إن الله يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها } السفساف الأمر الحقير ، والرديء من كل شيء ضد المعالي والمكارم وقد قيل :

إذا أنت جازيت المسيء بفعله ففعلك من فعل المسيء قريب

وقيل أيضا :

وإذا أردت منازل الأشراف     فعليك بالإسعاف والإنصاف
وإذا بغى باغ عليك فخله     والدهر فهو له مكاف كاف



وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم } رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه من رواية عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه ولم يرو عنه غير ابنه عيينة ووثقه أبو زرعة عن أبي بكرة مرفوعا ، ولمسلم وأبي داود وغيرهما عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد . ولا يبغي أحد على أحد } قال الشيخ تقي الدين في اقتضاء الصراط المستقيم فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين نوعي الاستطالة لأن المستطيل إن استطال بحق فهو المفتخر ، وإن استطال بغير حق فهو الباغي .

فلا يحل [ ص: 209 ] لا هذا ولا هذا ولمسلم من حديث أبي هريرة { ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله } ويأتي في أحاديث اللباس أواخر الكتاب { لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر عليه السلام ولا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا } .

وقال محمد بن علي بن حسين يا عجبا من المختال الفخور الذي خلق من نطفة ثم يصير جيفة لا يدري بعد ذلك ما يفعل به وقيل لعيسى عليه السلام طوبى لبطن حملك ، فقال طوبى لمن علمه الله كتابه ولم يكن جبارا وقال مالك بن دينار كيف يتيه من أوله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة .

وقال منصور :

تتيه وجسمك من نطفة     وأنت وعاء لما تعلم

وكان يقول لولا ثلاث سلم الناس ، شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه .

وقال جعفر بن محمد علم الله أن الذنب خير للمؤمن من العجب ، ولولا ذلك لما ابتلي مؤمن بذنب وقال الشاعر :

ومن أمن الآفات عجبا برأيه     أحاطت به الآفات من حيث يجهل

وذكر ابن عبد البر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا حسب إلا في التواضع ، ولا نسب إلا بالتقوى ، ولا عمل إلا بالنية ، ولا عبادة إلا باليقين } وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من عظمت نعمة الله عليه فليطلب بالتواضع شكرها } وإنه لا يكون شكورا حتى يكون متواضعا .

وقال عبد الله بن مسعود إن من التواضع الرضا بالدون من شرف المجلس ، وأن تسلم على من لقيت وقال عبد الله بن المبارك التعزز على الأغنياء تواضع . كان يقال الغنى في النفس ، والكرم في التقوى ، والشرف في التواضع وكان سليمان بن داود عليهما السلام يجيء إلى أوضع مجالس بني إسرائيل ويقول مسكين بين ظهراني مساكين وكان يقال ثمرة القناعة الراحة ، وثمرة التواضع المحبة .

وقال لقمان لابنه يا بني [ ص: 210 ] تواضع للحق تكن أعقل الناس وقال أبو الدرداء ليس الذي يقول الحق ويفعله بأفضل من الذي يسمعه فيقبله .

وقال بعض الفلاسفة إذا نسك الشريف تواضع ، وإذا نسك الوضيع تكبر وقال بعض الفلاسفة أظلم الناس لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه ، ورغب فيمن يبعده .

وقال بزرجمهر : وجدنا التواضع مع الجهل والبخل أحمد من الكبر مع الأدب والسخاء وقال ابن السماك للرشيد تواضعك في شرفك أشرف من شرفك .

قال ابن عبد البر : روي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : { لا يعجبنكم إيمان الرجل حتى تعلموا ما عقدة عقله } وهذا الخبر من رواية إسحاق بن أبي فروة مذكور في ترجمته وهو متروك قال ابن عبد البر : وقد روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في صحف موسى وحكمة داود حق على العاقل أن يكون له أربع ساعات ، ساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يقضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقون عن نفسه ، وساعة يخلي فيها بين نفسه ولذاتها فيما يحل ويجمل ، فإن هذه الساعة عون له قال وعلى العاقل أن يكون عارفا بزمانه مالكا للسانه ، مقبلا على شأنه } .

وقال بعضهم أوحى الله إلى موسى أتدري لم رزقت الأحمق قال : لا قال : ليعلم العاقل أن الرزق ليس باحتيال وقال صلى الله عليه وسلم : { ثلاث من حرمهن فقد حرم خير الدنيا والآخرة عقل يداري به الناس ، وحلم يداري به السفيه ، وورع يحجزه عن المحارم } .

افتخر رجلان عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : أتفتخران بأجساد بالية ، وأرواح في النار ؟ إن يكن لكما عمل فلكما أصل ، وإن يكن لكما خلق فلكما شرف ، وإن يكن لكما تقوى فلكما كرم وإلا فالحمار خير منكما ولستما خيرا من أحد . وقال أيضا رضي الله عنه : العاقل الذي لم يحرمه نصيبه من الدنيا حظه من الآخرة . وقال أيضا في وصيته لابنه : لا مال أعود من [ ص: 211 ] العقل ، ولا فقر أشد من الجهل ، ولا وحدة أوحش من العجب ، ولا مظاهرة كالمشاورة ، ولا حسب كحسن الخلق وكان يقال إذا كان علم الرجل أكثر من عقله كان قمنا أن يضره علمه .

قال الشاعر :

ولا خير في حسن الجسوم وطولها     إذا لم يزن حسن الجسوم عقول

وقال مطرف بن الشخير عقول كل قوم على قدر زمانهم ، كان يقال خصال ست تعرف في الجاهل : الغضب في غير شيء ، والكلام في غير نفع ، والعطية في غير موضعها ، وإفشاء السر ، والثقة بكل أحد ، ولا يعرف صديقه من عدوه وقال يحيى بن خالد ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها الكتاب على مقدار كاتبه ، والرسول على مقدار عقل مرسله ، والهدية على مقدار عقل مهديها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث