الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي

صفحة جزء
وقال منصور لأبي عبد الله : رخص في الكذب في ثلاث قال : وما بأس على ما قيل في الحديث .

وقال أبو طالب : قال أبو عبد الله لا بأس أن يكذب لهم لينجو يعني الأسير قال النبي صلى الله عليه وسلم { الحرب خدعة } . [ ص: 20 ]

وقال في رواية حنبل : الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل قلت له فقول النبي صلى الله عليه وسلم { إلا أن يكون يصالح بين اثنين أو رجل لامرأته يريد بذلك رضاها } قال : لا بأس به ، فأما ابتداء الكذب فهو منهي عنه ، وفي الحرب كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم { الحرب خدعة } وكان النبي صلى الله عليه وسلم { إذا أراد غزوة ورى بغيرها لم ير بذلك بأسا في الحرب } . فأما الكذب بعينه فلا قال النبي صلى الله عليه وسلم { الكذب مجانب الإيمان } كذا قال ، وروي هذا الخبر في المسند عن أبي بكر موقوفا

وقال أحمد : ولا يصلح من الكذب إلا في كذا وكذا وقال : لا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذابا فهذا مكروه فقد نص على إباحة الكذب في ثلاثة أشياء لكن هل هو التورية أو مطلقا ؟ ورواية حنبل تدل على تحريم ابتداء الكذب ، ورواية ابن منصور ظاهرة في الإطلاق فصار المسألتان على روايتين والإطلاق ظاهر كلام الأصحاب والله أعلم .

ولهذا استثنوه من الكذب المحرم أعني الإمام أحمد والأصحاب كما استثناه الشارع فيجب أن يكون المراد التصريح وأيضا التعريض يجوز في المشهور في غير هذه الثلاثة بلا حاجة فلا وجه إذا لاستثناء هذه الثلاثة واختصاص التعريض بها والله أعلم .

وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مرفوعا { ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين أو قال بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا } رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وزاد ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذبا إلا في ثلاث يعني : الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها ، وهو في البخاري من قول ابن شهاب : لم أسمع أحدا يرخص في شيء مما يقول الناس كذبا ، وذكره ، ولأبي داود والنسائي قال ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث الحديث كما تقدم .

وعن شهر عن أسماء بنت يزيد مرفوعا { كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال ، إلا رجل كذب لامرأته ليرضيها ، أو رجل كذب [ ص: 21 ] في خديعة حرب ، أو رجل كذب بين امرأين مسلمين ليصلح بينهما } رواه أحمد .

وللترمذي { لا يحل الكذب } .

وفي رواية { لا يصلح الكذب إلا في ثلاث يحدث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليصلح بين الناس } وقال : حسن وقد روي عن شهر مرسلا .

وفي الموطأ عن صفوان بن سليم مرسلا { أن رجلا قال : يا رسول الله أكذب لامرأتي ؟ فقال لا خير في الكذب فقال : فأعدها وأقول لها ؟ فقال لا جناح عليك } .

وعن أنس قال { كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار فلما كان الغد قال مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ثم في اليوم الثالث فتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص . فقال : إني لاحيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال : نعم قال أنس كان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث فلم أره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار من الليل تقلب على فراشه فذكر الله تعالى وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا فكدت أحتقر عمله قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ، ولا هجرة ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك لأنظر عملك لأقتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي على أحد من المسلمين غشا ، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه قال عبد الله : هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق } .

وظاهر كلام أحمد والأصحاب أنه يجوز الكذب في الصلح بين الكافرين كما هو ظاهر الأخبار ورواية أحمد " بين مسلمين " في الخبر إرسال وشهر مختلف فيه ثم إن بعض الرواة رواه بالمعنى ثم ظاهره غير مراد لأنه يجوز بين كافر ومسلم لحق المسلم كالحكم بينهما ثم هو مفهوم [ ص: 22 ] اسم وفيه خلاف وقد يحتمل أن يختص بالمسلمين لظاهر الخبر وهو أخص كما يختص الأخذ من الزكاة للصلح بين المسلمين مع إطلاق الآية فيه فهذا القول أظهر ولعله متعين ; لأن الكذب إنما جاز لمصلحة شرعية .

والقول بأن الإصلاح بين أهل الكتاب والتأليف بينهم مصلحة شرعية يفتقر إلى دليل والأصل عدمه ثم يقال : لو كان مصلحة شرعية لجاز دفع الزكاة في الغرم فيه كالصلح بين المسلمين ولأن الشارع جعل درجة الإصلاح أفضل من درجة الصلاة ، والصيام ، والصدقة ومن المعلوم أن الإصلاح بين أهل الكتاب ليس بأفضل من ذلك فعلم أنه أراد بذلك الصلح بين المسلمين ، وأن الذي رغب فيه وحض عليه هو الذي أجاز الكذب لأجله وأنه لا تجب إجابة دعوتهم بل تستحب أو تجوز أو تكره مع أن الشارع أمر بها أمرا عاما وأجاب دعوة يهودي فالدليل الذي أخرجهم من الإطلاق والعموم وهو لما فيه من الإكرام والمودة فهنا مثله فقد تبين من قوة الدليل أنه يجوز الكذب للصلح بينهم وهل يستحب أو يباح أو يكره ؟

يخرج فيه خلاف وعلى هذا قول ابن حزم في كتاب الإجماع : اتفقوا على تحريم الكذب إلا في الحرب وغيره ، ومداراة الرجل امرأته ، وإصلاح بين اثنين ، ودفع مظلمة مرادة بين اثنين مسلمين ، أو مسلم وكافر لما سبق ، وقد عرف بما سبق أن هذا الإجماع مدخول .

قال أبو داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم { ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ؟ قالوا بلى قال إصلاح ذات البين ، وإفساد ذات البين الحالقة } سالم هو ابن أبي الجعد رواه الترمذي عن هناد عن أبي معاوية وقال : حسن صحيح الحالقة الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك ، وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر .

التالي السابق


الخدمات العلمية