الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في حرمة اللعن لمعين وما ورد فيه

قال شيخ الإسلام رضي الله عنه : ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز ، وأما لعنه المعين فالأولى تركها لأنه يمكن أن يتوب . وقال في موضع آخر : قيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنه : أيؤخذ الحديث عن يزيد ؟ فقال لا ولا كرامة ، أو ليس هو فعل بأهل المدينة ما فعل . وقيل له : إن قوما يقولون إنا نحب يزيد ، فقال وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم الآخر . فقيل له أولا تلعنه ؟ فقال ما رأيت أباك يلعن أحدا وفي رواية متى رأيت أباك لعانا ؟

وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي في لعنة يزيد : أجازها العلماء الورعون ، منهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، وأنكر ذلك عليه الشيخ عبد المغيث الحربي وأكثر أصحابنا ، ذكره في الآداب الكبرى قال لكن منهم من بنى الأمر على أنه لم يثبت فسقه ، وكلام عبد المغيث يقتضي ذلك وفيه نوع انتصار ضعيف . ومنهم من بنى الأمر على أنه لا يلعن الفاسق المعين .

وشنع الإمام الحافظ ابن الجوزي على من أنكر استجازة ذم المذموم ولعن الملعون كيزيد .

قال وقد ذكر الإمام أحمد في حق يزيد ما يزيد على اللعنة ، وذكر ما ذكره القاضي في المعتمد من رواية صالح : ومالي لا ألعن من لعنه الله عز وجل في كتابه ، إن صحت الرواية قال وصنف القاضي أبو الحسين كتابا في بيان من يستحق اللعن وذكر فيهم يزيد ، قال وقد جاء في الحديث لعن من فعل ما لا يقارب معشار عشر ما فعل يزيد ، وذكر الفعل العام كالوامصة وأمثاله ، وذكر رواية أبي طالب سألت أحمد بن حنبل عمن قال لعن الله يزيد بن معاوية ، فقال لا أتكلم في هذا ، الإمساك أحب إلي .

قال ابن الجوزي : هذه الرواية تدل على اشتغال الإنسان بنفسه عن لعن غيره ، والأولى على جواز اللعنة كما قلنا في تقديم جواز التسبيح على لعنة إبليس ، وسلم ابن الجوزي أن ترك اللعن أولى .

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال { قيل يا رسول الله ادع الله عز وجل على المشركين ، قال : إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة } قال في رواية الحافظ ابن الجوزي : وقد لعن الإمام أحمد رضي الله عنه من يستحق اللعن .

وقال مسدد : قالت الواقفية الملعونة والمعتزلة الملعونة . [ ص: 123 ] وقال : على الجهمية لعنة الله . وكان الحسن يلعن الحجاج . وأحمد يقول الحجاج رجل سوء . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه : ليس في هذا عن أحمد لعنة معين لكن قول الحسن نعم .

وقال الشيخ أيضا : لم أر أحمد رضي الله عنه لعن معينا إلا لعنة نوع أو دعاء على معين بالعذاب أو سب له .

وفي الآداب الكبرى لابن مفلح ذكر القاضي ما نقله من خط أبي حفص العكبري أسنده إلى صالح بن أحمد ، قلت لأبي إن قوما ينسبونا إلى توالي يزيد ، فقال يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله ؟ ( فقلت ) ولم لا تلعنه ؟ فقال ومتى رأيتني ألعن شيئا لم لا تلعن من لعنه الله عز وجل في كتابه ، فقلت وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟ فقرأ { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } فهل يكون في قطع الرحم أعظم من القتل .

قال القاضي : وهذه الرواية إن صحت فهي صريحة في معنى علة لعن يزيد . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه : الدلالة مبنية على استلزام المطلق للمعين . انتهى .

( قلت ) أكثر المتأخرين من الحفاظ والمتكلمين يجيزون لعنة يزيد اللعين ، كيف لا وهو الذي فعل المعضلات ، وهتك ستر المخدرات ، وانتهك حرمة أهل البيت ، وآذى سبط النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي وميت ، مع مجاهرته بشرب الخمور والفسق والفجور . ذكروا في ترجمته أنه كان مجاهرا بالشراب متهتكا فيه ، .

وله في وصفه بدائع وغرائب ونهاه والده فلم ينته ، فغضب عليه ، فأنشد يزيد يخاطبه ، ونسبها الأصمعي إلى غيره :

أمن شربة من ماء كرم شربتها غضبت علي الآن طاب لي السكر     سأشرب فاغضب لا رضيت كلاهما
حبيب إلى قلبي عقوقك والخمر

وهو القائل من قصيدة :

وشمسة كرم برجها قعر دنها     فمطلعها الساقي ومغربها فمي
مدام كتبر في إناء كفضة     وساق كبدر مع ندامى كأنجم
إذا نزلت من دنها في زجاجة     حكت نفرا بين الحطيم وزمزم
نشير إليها بالبنان كأنما     نشير إلى البيت العتيق المحرم

[ ص: 124 ] إلى أن يقول :

فإن حرمت يوما على دين أحمد     فخذها على دين المسيح بن مريم

وله من أمثال هذه الضلالات كثير جدا .

وفي المجلد السادس عشر من الوافي بالوفيات أن إلكيا الهراس سئل عن لعن يزيد فقال : فيه لأحمد قولان تلويح وتصريح ، ولمالك قولان تلويح وتصريح ، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح ، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالرند ، والمتصيد بالفهد ومدمن الخمر ، وذكر من شعره أشياء ثم ذكر أنه سبى أهل البيت لما ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسين والرءوس على أسنة الرماح ، وقد أشرفوا على ثنية العقاب ، فلما رآهم الخبيث أنشأ يقول :

لما بدت تلك الحمول وأشرفت     تلك الرءوس على شفا جيرون
نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل     فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني بذلك أنه قتل بمن قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عتبة جده أبو أمه وخاله وغيرهما .

قلت : أنا لا أشك أن قائل هذا الكلام خارج من ربقة الإسلام ، والله ورسوله بريئان منه ، ثم إن الخبيث لما أتي برأس سيدنا الحسين رضوان الله عليه تناوله بقضيب فكشف عن ثناياه وهي أبيض من البرد ، فقال عليه غضب المتعال :

نفلق هاما من رجال أعزة     علينا وهم كانوا أعق وأظلما

وقال أيضا لما فعل بأهل المدينة ما فعل وجاءه رسوله بالأخبار التي لا تفعلها إلا الكفار .

فتمثل بقول ابن الزبعرى :

ليت أشياخي ببدر علموا     جزع الخزرج من وقع الأسل

والحاصل أن العلماء منهم من صرح بلعنه ، ومنهم من لوح ، ومنهم من منع ، وهو ظاهر النظم ، والله أعلم .

( تتمة ) ألحق كثير من العلماء الحجاج بن يوسف الثقفي بيزيد ، فخبثه كخبثه أو يزيد .

وفي فنون ابن عقيل : حلف رجل بالطلاق الثلاث أن الحجاج في النار ، فسأل فقيها ، فقال الفقيه أمسك زوجتك فإن الحجاج إن لم يكن مع أفعاله في النار فلا يضرك الزنا ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث