الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في ليلة القدر

وحدثني زياد عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فقال إني أريت هذه الليلة في رمضان حتى تلاحى رجلان فرفعت فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة

التالي السابق


705 699 - ( مالك عن حميد الطويل ) الخزاعي البصري ، قيل : كان قصيرا طويل اليدين ، وكان يقف على الميت فيصل إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه .

وقال الأصمعي : رأيته ولم يكن بذاك الطول ، وكان له جار يقال له حميد القصير فقيل لهذا الطويل للتمييز بينهما .

[ ص: 322 ] ( عن أنس بن مالك أنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من حجرته ( في رمضان ) ، زاد في رواية البخاري : ليخبرنا بليلة القدر أي بتعيينها ، ( فقال : إني أريت ) بضم الهمزة ، ( هذه الليلة ) ، قال الحافظ : يحتمل أنه من رأى العلمية أو البصرية ( في رمضان ) ، وللبخاري فقال : خرجت لأخبركم بليلة القدر ( حتى تلاحى ) بفتح الحاء المهملة تنازع وتخاصم وتشاتم ( رجلان ) من المسلمين كما في البخاري ، ولمحمد بن نصر أنهما من الأنصار ، وزعم ابن دحية أنهما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك ولم يذكر لذلك مستندا قاله الحافظ ، ( فرفعت ) أي رفع بيانها أو علم تعيينها من قلبي فنسيته للاشتغال بالمتخاصمين ، وفي مسلم : فنسيتها ، وقيل : رفعت بركتها تلك السنة ، وقيل : التاء في " رفعت " للملائكة لا لليلة ، قال الباجي : قد يذنب البعض فتتعدى عقوبته إلى غيره فيجزى به من لا سبب له في الدنيا ، أما الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى .

وفي مسلم عن أبي سعيد : فجاء رجلان يختصمان معهما الشيطان .

وعند ابن راهويه : أنه صلى الله عليه وسلم لقيهما عند سدة المسجد فحجز بينهما .

وفي مسلم عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : " أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها " ، ومقتضاه أن سبب النسيان الإيقاظ لا الملاحاة ، وجمع على اتحاد القصة باحتمال وقوع النسيان على سببين ، والمعنى : أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي الرجلين فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما ، وعلى تعددها باحتمال أن الرؤيا في خبر أبي هريرة منامية فيكون سبب النسيان الإيقاظ ، والأخرى يقظة فسبب النسيان الملاحاة ، ويقويه ما رواه عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب مرسلا : " ألا أخبركم بليلة القدر ؟ قالوا : بلى ، فسكت ساعة ثم قال : لقد قلت لكم وأنا أعلمها ثم أنسيتها " ، فلم يذكر سبب النسيان ، وهل أعلم بها بعد هذا النسيان ؟ قال الحافظ : فيه احتمال .

وقال ابن عبد البر : الأظهر أنه رفع علم تلك الليلة عنه فأنسيها بعد أن كان علمها بسبب التلاحي ، وقد قيل : المراء والملاحاة شؤم ومن شؤمها حرموا ليلة القدر تلك الليلة ، ولم يحرموها بقية الشهر لقوله : ( فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ) ، قال ابن عبد البر : قيل المراد بالتاسعة تاسعة تبقى فتكون ليلة إحدى وعشرين ، والسابعة سابعة تبقى فتكون ليلة ثلاث وعشرين ، والخامسة خامسة تبقى فتكون ليلة خمس وعشرين على الأغلب في أن الشهر ثلاثون لقوله : " فإن غم عليكم فأكملوا العدة " يعني والمعنى عليه تاسعة وسابعة وخامسة تبقى بعد الليلة تلتمس فيها كما هو ظاهر ، قال : وقيل تاسعة تمضي فتكون ليلة تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين ، وجزم الباجي بالأول وهو قول مالك في المدونة لما في أبي داود من حديث عبادة : تاسعة تبقى سابعة تبقى خامسة تبقى [ ص: 323 ] ورجح الحافظ الثاني لرواية البخاري في كتاب الإيمان بلفظ : التمسوها في التسع والسبع والخمس أي في تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين .

وفي رواية لأحمد : في تاسعة تبقى كذا قال . ورواية البخاري محتملة ، ورواية أحمد نص فيما قال مالك ، وقد قال أبو عمر : كلاهما محتمل إلا أن قوله صلى الله عليه وسلم : " تاسعة تبقى وسابعة تبقى وخامسة تبقى " يقتضي القول الأول .

وقد روى أبو داود عن أبي نضرة أنه قال لأبي سعيد الخدري : إنكم أعلم بالعدد منا ، قال : أجل ، قلت : ما التاسعة والسابعة والخامسة ؟ قال : إذا مضت إحدى وعشرون فالتي تليها التاسعة ، فإذا مضت ثلاثة وعشرون فالتي تليها السابعة ، فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة انتهى .

وزعم الروافض ومن ضاهاهم أن المعنى رفعت أصلا ، أي وجودها وهو غلط ، فلو كان كذلك لم يأمرهم بالتماسها .

وللبخاري : فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم أي لأن إخفاءها مما يستدعي قيام كل شهر بخلاف ما لو بقي معرفتها بعينها ، وأخذ منه التقي السبكي استحباب كتمها لمن رآها لأن الله تعالى قدر لنبيه أنه لم يخبر بها والخير كله فيما قدره له ويستحب اتباعه في ذلك ، قال : والحكمة فيه أنها كرامة ، والكرامة ينبغي كتمها باتفاق أهل الطريق لرؤية النفس فلا يأمن السلب ولأنه لا يأمن الرياء ، وللأدب فلا يتشاغل عن شكر الله بالنظر إليها وذكرها للناس ، ولأنه لا يأمن الحسد فيوقع غيره في المحذور ويستأنس له بقول يعقوب : ( يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ) ( سورة يوسف : الآية 5 ) الآية ، قال ابن عبد البر : هذا الحديث لا خلاف عن مالك في سنده ومتنه ، وإنما هو لأنس عن عبادة بن الصامت .

وقال الحافظ : خالف مالكا أكثر أصحاب حميد فرووه عنه عن أنس عن عبادة ، وصوب ابن عبد البر إثبات عبادة وأن الحديث من مسنده .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث