الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنببه أراد بصريح الظهار الطلاق أو الطلاق والظهار

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( ولا ينصرف للطلاق ، وهل يؤخذ بالطلاق معه إذا نواه مع قيام البينة كأنت حرام كظهر أمي أو كأمي ؟ تأويلان )

ش : يعني أن صريح الظهار لا ينصرف للطلاق فإن ادعى أنه أراد بصريح الظهار الطلاق فهل يؤخذ بالطلاق مع [ ص: 117 ] الظهار إذا قامت البينة عليه ؟ أو إنما يؤخذ بالظهار فقط ؟ تأويلان هذا معنى كلامه ، وأما قوله كأنت حرام كظهر أمي أو كأمي فمسألة أخرى شبهها بهذه المسألة في جريان التأويلين فيها ، ولم يذكر المصنف الحكم مع عدم قيام البينة اتكالا على المفهوم ، فعلى التأويل الأول الذي يقول يؤخذ بالطلاق مع الظهار إذا نوى بصريح الظهار الطلاق مع قيام البينة يفهم منه أنه مع عدم قيام البينة لا يؤخذ بالظهار ، وعلى التأويل الثاني فلا يلزمه إلا الظهار ; لأنه إذا لم يؤخذ بالطلاق مع قيام البينة فأحرى مع عدمها غير أن الذي يقتضيه كلام المصنف أنه لا ينصرف للطلاق مع عدم قيام البينة على كلا التأويلين إلا أن يحمل قوله ، ولا ينصرف للطلاق ما إذا لم تكن له نية ، وقوله ، وهل إلى آخره على ما إذا نوى به الطلاق دون الظهار فيقرب حينئذ من كلام ابن رشد ، ويكون مفهوم قوله مع قيام البينة أنه لو لم تقم البينة يؤاخذ بالطلاق على التأويل الأول ، وكأنه يشير إلى ما قاله في المقدمات ، ونصه إثر كلامه المتقدم ، والفرق بين الصريح ، والظهار ، والكناية أنه إذا ادعى أنه أراد بالكناية الطلاق صدق أتى مستفتيا أو أحضرته البينة ، والصريح لا يصدق إذا ادعى أنه أراد به الطلاق إذا أحضرته البينة ، ويؤخذ بالطلاق فيما أقر به ، وبالظهار بما لفظ به ، فلا يكون له إليها سبيل إن تزوجها بعد زوج حتى يكفر كفارة الظهار ، وقيل أنه يكون ظهارا على كل حال ، ولا يكون طلاقا ، وإن نواه ، وأراده ، وهي رواية أشهب عن مالك ، وأحد قولي ابن القاسم انتهى .

فمفهوم كلامه في القول الأول أنه لو لم تقم عليه بينة لصدق في إرادة الطلاق ، ولم يؤخذ بالظهار ، وإن القول الثاني يقول هو ظهار على كل حال ، وبين ذلك كلام ابن رشد في المقدمات في آخر كتاب الظهار قال : أصل الظهار بذوات المحارم ، فإذا ظاهر بشيء من ذوات المحارم فهو مظاهر سمى الظهر أو لم يسمه أراد بذلك الظهار أو لم تكن له نية فإن أراد بذلك الطلاق ، ولم يرد به الظهار ، فقول ابن القاسم في رواية عيسى عنه من كتاب الأيمان بالطلاق أنه يكون طلاقا بتاتا ، ولا ينوي في واحدة ، ولا اثنتين ، ثم قال هذا نص قول ابن القاسم أنه إذا ظاهر بذوات محرم ، وأراد بذلك الطلاق أنه طلاق سمى الظهر أو لم يسمه ، ومساواته في هذا بين أن يسمي الظهر أو لم يسمه إنما يصح على مذهبه فيما بينه ، وبين الله إذا جاء مستفتيا ، وأما إذا حضرته البينة ، وطولب بحكم الظهار ، فإن كان قد سمى الظهر حكم عليه بالظهار ; لأن البينة قد حضرته بالإفصاح به ، فلم يصدق في طرح الكفارة عن نفسه ، وقضي عليه بالطلاق لإقراره أنه نواه ، وأراد الطلاق ، وكان من حق المرأة إن تزوجها بعد زوج أن تمنعه نفسها حتى يكفر كفارة الظهار ، وإن كان لم يسم الظهر لم يحكم عليه بالظهار وصدق أنه لم يرده إذا لم يصرح به ، وهذا أصل من أصولهم أن من ادعى نية مخالفة لظاهر لفظه لا يصدق فيها ثم قال : وروى أشهب عن مالك أنه يكون طلاقا إن لم يسم الظهر ، وظاهر إن سماه ، وقد فسر بعض الشيوخ ما في المدونة برواية أشهب عن مالك ، وحكى أبو إسحاق التونسي أنه مذهب ابن القاسم في كتاب ابن المواز ، والصواب أن يفسر ما في المدونة برواية عيسى عن ابن القاسم ، وعلى رواية أشهب عول الأبهري فقال : إن صريح الظهار ظهار ، وإن نوى به الطلاق كما أن صريح الطلاق طلاق ، وإن نوى الظهار ، وهذا لا يصح على مذهب ابن القاسم في رواية عيسى بل يخالف في الطرفين ، فيقول في الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق ، وقال أردت بذلك الظهار ألزم الظهار بما أقر به من نيته ، والطلاق بما أظهر من لفظه انتهى .

وقال المصنف في شرح قول ابن الحاجب ، وفي تنويته ثالثها ينوي في الطلاق الثلاث يعني لو ادعى في صريح الظهار أنه لم يرد به الظهار ، وإنما أراد الطلاق ، فهل يقبل منه أم لا المازري ، والمشهور أنه لا يقبل ، ويكون ظهارا رواه [ ص: 118 ] ابن القاسم وأشهب عن مالك زاد ابن المواز ، ولا يلزمه الطلاق ، ولو نوى إنك بما أقول طالق ، والقول بأنه ينوي في الطلاق سواء قصد الثلاث أو دونها لعيسى وسحنون ، والثالث أنه ينوي إن قصد الثلاث ، ولا ينوي إن قصد دونها لابن القاسم ، وقيد اللخمي الخلاف بما إذا كان المتكلم عالما بموجب الظهار ، وقصد الخلاف ، وأما إن قصد الطلاق ، وهو يجهل حكم الظهار ، وينوي أنه طلاق فهو مظاهر ، وفي مثله نزل القرآن ( تنبيه ) المراد بعدم تصديقه في القول الأول إذا جاء مستفتيا ، وكذلك قال أشهب : وهو أحد قولي ابن القاسم ، ومذهب المدونة على تأويل الأبهري ، وروى عيسى وابن سحنون أنه يصدق ، وهو مذهب المدونة على تأويل ابن رشد ، وأما إن أحضرته البينة ، فإنه يؤخذ بالظهار ، والطلاق معا هكذا أشار إليه سحنون واللخمي ، وغيرهما ، ونص عليه صاحب المقدمات انتهى .

( تنبيه ) كلام المصنف في التوضيح عكس كلامه في المختصر ; لأن كلامه في التوضيح يقتضي أن التأويلين مع عدم قيام البينة هل يصدق في إرادة الطلاق أم لا ، وأما مع البينة فيؤخذ بهما ، وكلامه في المختصر يقتضي أن التأويلين مع قيام البينة هل يؤخذ بالطلاق مع الظهار أو إنما يؤخذ بالظهار فقط ؟ ويفهم منه أنه مع عدم البينة لا يؤخذ إلا بالظهار ، وقد علمت من كلام ابن رشد أن التأويلين جاريان مع قيام البينة ، ومع عدم قيامها فتأويل ابن رشد أنه يصدق في إرادة الطلاق مع عدم قيام البينة ، ولا يؤخذ إلا بالظهار ، وكذلك مع قيامها ، وقد تقدم أنه إذا حمل قول المصنف ، ولا ينصرف للطلاق على ما إذا لم تكن له نية ، وقوله ، وهل إلى آخره على ما إذا نوى ، ويجعل مفهوم قوله مع قيام البينة أنه إذا لم تقم البينة لم يؤخذ بالظهار ، فيقرب من كلام ابن رشد ، ولو قال المصنف وهل ينصرف للطلاق ، فيؤخذ بها مع البينة أو لا يؤخذ إلا بالظهار مطلقا تأويلان لوفى بالمقصود ، والله أعلم فتأمله ، والله أعلم .

وأما قول المصنف كأنت حرام كظهر أمي أو كأمي ، فهو كما قال ابن غازي تشبيه لمسألة بأخرى لا تمثيل للمسألة نفسها ولذا اغتفر فيه إدراج كأمي ، وليس بصريح انتهى ، وهو كما قال رحمه الله : إنما أراد أن ينبه على أن التأويلين الجاريين فيما إذا نوى بصريح الظهار الطلاق يجريان فيما إذا قال : أنت حرام كظهر أمي أو كأمي يعني إذا أراد بذلك الطلاق ، وقد صرح ابن رشد بجريان ذلك فيها في أول رسم من كتاب الظهار ، وأما إذا لم تكن له نية ، فصرح في المدونة بأنه لا خلاف في أنه ظهار ، ونصه في كتاب الظهار ، وإن قال : لها أنت علي حرام مثل أمي أو حرام كأمي ، ولا نية له فهو مظاهر ، وهذا مما لا اختلاف فيه ، وقال قبله ، وإن قال : لها أنت علي حرام مثل أمي ، فهو مظاهر ; لأنه جعل للحرام مخرجا حين قال : مثل أمي قال غيره ، ولا تحرم عليه ; لأن الله أنزل الكفارة في الظهار ، ولا يعقل من لفظ به فيه شيئا سوى التحريم ثم قال مالك : ولو لم يذكر أمه كان البتات انتهى ، ولم يذكر في المدونة أنت حرام كظهر أمي ، ولكنه يؤخذ حكمه من باب أحرى ; لأنه إذا قلنا إن قوله أنت حرام كأمي ظهار فقوله كظهر أمي من باب أولى ، وقد جمع بينهما ابن الحاجب لكن ذكر فيهما خلاف ما قال في المدونة : ونصه .

ولو قال أنت حرام كظهر أمي أو كأمي ، فعلى ما نوى منهما أو من أحدهما فإن لم تكن له نية فظهار ، وقالعبد الملك طلاق ، وقال في التوضيح يعني إن نوى بذلك الظهار ، والطلاق لزماه قال في الجواهر : إذا قدم الظهار في نيته ، وإن نوى أحدهما لزمه ما نواه فقط ، وتبع المصنف هنا ابن شاس ، وظاهر المدونة خلاف ما قالاه ثم ذكر كلام المدونة السابق ثم قال بمقتضاه إن الكلام الأول هو الذي نقلناه آخرا مع النية ، وأنه يلزمه الظهار ، ولو نوى الطلاق ، ويدل عليه قوله في الثانية أن هذا مما لا اختلاف فيه .

وقوله هذا مما لا اختلاف فيه يدل على أن قول الغير في الأولى خلاف [ ص: 119 ] هكذا قال ابن عبد السلام : في معنى المدونة ، وكذلك قال غيره لا خلاف في إلزامه الظهار ، والمشهور أنه لا يلزمه الطلاق ، وكلام عياض قريب منه أعني أنه يدل على أن مذهب الكتاب أنه ظهار ، ولو نوى به الطلاق ، فإنه قال ، وإن قرن بظهاره لفظة الحرام فقال أنت علي حرام مثل أمي ففي المدونة أنه ظهار .

ومثله في العتبية ، وقال مالك في الموازية ما لم يرد به الطلاق ، وكذلك قال عبد الملك : في ذلك ، وفي حرام من أمي أنه ظهار ، ولو نوى به الطلاق ، وقال محمد هذا إذا سمى الظهر ، وإن لم يسمه ، فيلزمه ما نوى ، وفي كتاب الوقار في حرام مثل أمي هو البتات ، ويلزمه الظهار متى راجع ، وفي سماع عيسى في أحرم من أمي أنها ثلاث انتهى ، ونقل ابن حارث عن ابن القاسم فيما إذا قال حرام مثل أمي إنه طلاق إلا أن ينوي به الظهار قيل ، والمشهور في أحرم من أمي إنه ظهار انتهى ، وما ذكره ابن عبد السلام نحوه لأبي الحسن في فهم كلام المدونة ، وإن قوله في الثانية لا اختلاف يدل على أن قول الغير في الأولى خلاف ، ويعني ، والله أعلم أن مراد ابن القاسم بقوله في الأولى هو ظهار ما لم يرد به الطلاق فيلزمه ، وأن الغير يقول هو ظهار ، ولو نوى به الطلاق ، والله أعلم .

( تنبيهات : الأول ) : ما تقدم عن اللخمي من قصر الخلاف على من يعلم حكم الظهار تبعه على ذلك في اللباب ، واقتصر عليه ، وجعله في الشامل طريقة ( الثاني ) لو أراد بصريح الظهار الطلاق ، والظهار جميعا فالظاهر على تأويل ابن رشد أنهما يلزماه معا ، وأما على التأويل الثاني فلا شك في عدم لزوم الطلاق ( الثالث ) علم مما تقدم أنه إذا قبلنا قوله في لزوم الطلاق فاللازم له الثلاث ، وكان المصنف سكت عن ذلك لما سيقوله في الكناية الظاهرة أنه إذا قصد بها الطلاق ينوي في ذلك ، ويلزمه البتات

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث