الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول

الركن الثالث : المجتهد فيه

والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي . واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام ، فإن الحق فيها واحد والمصيب واحد والمخطئ آثم . وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما ; ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد . فهذه هي الأركان ، فإذا صدر الاجتهاد التام من أهله وصادف محله ، كان ما أدى إليه الاجتهاد حقا وصوابا كما سيأتي . وقد ظن ظانون أن شرط المجتهد أن لا يكون نبيا فلم يجوزوا الاجتهاد للنبي ، وأن شرط الاجتهاد أن لا يقع في زمن النبوة ; فنرسم فيه مسألتين :

مسألة اختلفوا في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول عليه السلام

فمنعه قوم وأجازه قوم ، وقال قوم : يجوز للقضاة والولاة في غيبته لا في حضور النبي صلى الله عليه وسلم .

والذين جوزوا منهم من قال : يجوز بالإذن ، ومنهم من قال : يكفي سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم اختلف المجوزون في وقوعه والمختار أن ذلك جائز في حضرته وغيبته وأن يدل عليه بالإذن أو السكوت ; لأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته ولا يفضي إلى محال ولا إلى مفسدة . وإن أوجبنا الصلاح فيجوز أن يعلم الله لطفا يقتضي ارتباط صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد لعلمه بأنه لو نص لهم على قاطع لبغوا وعصوا .

فإن قيل : الاجتهاد مع النص محال وتعرف الحكم بالنص بالوحي الصريح ممكن فكيف يردهم إلى ورطة الظن ؟ قلنا : فإذا قال لهم : أوحي إلي أن حكم الله تعالى عليكم ما أدى إليه اجتهادكم وقد تعبدكم بالاجتهاد ، فهذا نص . وقولهم : الاجتهاد مع النص محال مسلم ، ولكن لم ينزل نص في الواقعة ، وإمكان النص لا يضاد الاجتهاد وإنما يضاده نفس النص كيف وقد تعبد النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء بقول الشهود حتى قال :

{ إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ؟ } [ ص: 346 ] وكان يمكن نزول الوحي بالحق الصريح في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن وخوف الخطأ . فأما وقوعه فالصحيح أنه قام الدليل على وقوعه في غيبته بدليل قصة معاذ فأما في حضرته فلم يقم فيه دليل . فإن قيل : فقد قال لعمرو بن العاص : { احكم في بعض القضايا . فقال : أجتهد وأنت حاضر ؟ فقال : نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر } وقال لعقبة بن عامر ولرجل من الصحابة { اجتهدا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات وإن أخطأتما فلكما حسنة } قلنا : حديث معاذ مشهور قبلته الأمة ، وهذه أخبار آحاد لا تثبت وإن ثبتت احتمل أن يكون مخصوصا بهما أو في واقعة معينة ، وإنما الكلام في جواز الاجتهاد مطلقا في زمانه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث