الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب نكاح الأمة الكتابية قال أبو بكر : اختلف أهل العلم فيه ، فروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن عبد العزيز وأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم كراهة ذلك ، وهو قول الثوري . وقال أبو ميسرة في آخرين : " يجوز نكاحها " ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر . وروي عن أبي يوسف أنه كرهه إذا كان مولاها كافرا والنكاح جائز ؛ ويشبه أن يكون ذهب إلى أن ولدها يكون عبدا لمولاها وهو مسلم بإسلام الأب ، كما يكره بيع العبد المسلم من الكافر . وقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد : " لا يجوز النكاح " . والدليل على جوازه جميع ما ذكرنا من عموم الآي في الباب الذي قبله الموجبة لجواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة ، ودلالتها على جواز نكاح الأمة الكتابية كهي على إباحة نكاح المسلمة . ومما يختص منها بالدلالة على هذه المسألة قوله عز وجل : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم

وروى جرير عن ليث عن مجاهد في قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قال : " العفائف " .

وروى هشيم عن مطرف عن الشعبي : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قال : " إحصانها أن تغتسل من الجنابة وتحصن فرجها من الزنا .

فثبت بذلك أن اسم الإحصان قد يتناول الكتابية ، قال تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فاستثنى ملك اليمين من المحصنات ، فدل على أن الاسم يقع عليهن لولا ذلك لما استثناهن ، وقال تعالى : فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فأطلق اسم الإحصان في هذا الموضع على الإماء ولما ثبت أن اسم المحصنات يقع على الكتابيات من الحرائر والإماء وأطلق الله نكاح الكتابيات المحصنات بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم كان عاما في الحرائر والإماء منهن فإن احتجوا بقوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وكانت هذه مشركة ، وقال في آية أخرى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات فكانت إباحة نكاح الإماء مقصورة على المسلمات منهن دون الكتابيات ، وجب أن يكون نكاح الإماء الكتابيات باقيا على حكم الحظر . قيل له : إطلاق اسم المشركات لا يتناول الكتابيات وإنما يقع على عبدة الأوثان دون غيرهم ؛ لأن الله تعالى [ ص: 117 ] قد فرق بينهما في قوله : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين فعطف المشركين على أهل الكتاب ، وهذا يدل على أن إطلاق الاسم إنما يتناول عبدة الأوثان دون غيرهم فلم يعم الكتابيات ، فغير جائز الاعتراض به في حظر نكاح الإماء الكتابيات .

وأيضا فلا خلاف بين فقهاء الأمصار أن قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قاض على قوله : ولا تنكحوا المشركات وذلك لأنهم لا يختلفون في جواز نكاح الحرائر الكتابيات ، فليس يخلو حينئذ قوله : ولا تنكحوا المشركات من أن يكون عاما في إطلاقه للكتابيات والوثنيات أو أن يكون إطلاقه مقصورا على الوثنيات دون الكتابيات ؛ فإن كان الإطلاق إنما يتناول الوثنيات دون الكتابيات فالسؤال عنها ساقط فيه ؛ إذ ليس بناف فيه لنكاح الكتابيات ، وإن كان الإطلاق ينتظم الصنفين جميعا لو حملناه على ظاهره فقد اتفقوا أنه مرتب على قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم لاتفاق الجميع على استعماله معه في الحرائر منهن .

وإذا كان كذلك لم يخل من أن تكون الآيتان نزلتا معا ، أو أن تكون إباحة نكاح الكتابيات متأخرة عن حظر نكاح المشركات ، أو أن يكون حظر نكاح المشركات متأخرا عن إباحة نكاح الكتابيات . فإن كانتا نزلتا معا فهما مستعملتان جميعا على جهة ترتيب حظر نكاح المشركات على إباحة نكاح الكتابيات ، أو أن يكون نكاح الكتابيات نازلا بعده فيكون مستعملا أيضا ، أو أن يكون حظر نكاح المشركات متأخرا عن إباحة نكاح الكتابيات ، فإن كان كذلك فإنه ورد مرتبا على إباحة نكاح الكتابيات ؛ فالإباحة مستعملة في الأحوال كلها كيف تصرفت الحال وعلى أنه لا خلاف أن قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم نزل بعد تحريمه نكاح المشركات ؛ لأن آية تحريم المشركات في سورة البقرة ، وإباحة نكاح الكتابيات في سورة المائدة وهي نزلت بعدها ، فهي قاضية على تحريم المشركات إن كان إطلاق اسم المشركات يتناول الكتابيات .

ثم لما لم تفرق الآية المبيحة لنكاح الكتابيات بين الحرائر منهن وبين الإماء واقتضى عمومها الفريقين منهن ، وجب استعمالها فيهما جميعا وأن لا يعترض بتحريم نكاح المشركات عليهن كما لم يجز الاعتراض به على الحرائر منهن .

وأما تخصيص الله تعالى المؤمنات من الإماء في قوله : من فتياتكم المؤمنات فقد بينا في المسألة المتقدمة أن التخصيص بالذكر [ ص: 118 ] لا يدل على أن ما عدا المخصوص حكمه بخلافه .

فإن قيل : لا يصح الاحتجاج بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم في إباحة النكاح وذلك لأن الإحصان اسم مشترك يتناول معاني مختلفة ، وليس بعموم فيجرى على مقتضى لفظه بل هو مجمل موقوف الحكم على البيان ، فما ورد به البيان من توقيف أو اتفاق صرنا إليه وكان حكم الآية مقصورا عليه ، وما لم يرد به بيان فهو على إجماله لا يصح الاحتجاج بعمومه ؛ فلما اتفق الجميع على أن الحرائر من الكتابيات مرادات به استعملنا حكم الآية فيهن ، ولما لم تقم الدلالة على إرادة الإماء الكتابيات احتجنا في إثباتها إلى دليل من غيرها .

قيل له : لما روي عن جماعة من السلف في قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب أنهن العفائف منهن ؛ إذ كان اسم الإحصان يقع على العفة ، وجب اعتبار عموم اللفظ في جميع العفائف ؛ إذ قد ثبت أن العفة مرادة بهذا الإحصان ، وما عدا ذلك من ضروب الإحصان لم تقم الدلالة على أنها مرادة وقد اتفقوا على أنه ليس من شرط هذا الإحصان استكمال شرائطه كلها ، فما وقع عليه الاسم واتفق الجميع أنه مراد أثبتناه ، وما عداه يحتاج مثبته شرطا في الإباحة إلى دلالة

فإن قيل : اسم الإحصان يقع على الحرية ، فما أنكرت أن يكون المراد بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم الحرائر منهن ؟ قيل له : لما كان معلوما أنه لم يرد بذكر الإحصان في هذا الموضع استيفاء شرائطه ، لم يجز لأحد أن يقتصر بمعنى الإحصان فيه على بعض ما يقع عليه الاسم دون بعض ، بل إذا تناوله الاسم من وجه وجب اعتبار عمومه فيه ، فلما كانت الأمة قد يتناولها اسم الإحصان على الإطلاق في بعض الوجوه من طريق العفة أو غيرها جاز اعتبار عموم اللفظ فيه ، وإذا جاز لك أن تقتصر باسم الإحصان على الحرية دون غيرها فجائز لغيرك أن يقتصر به على العفاف دون غيره ، وغير جائز لنا إجمال حكم اللفظ مع إمكان استعماله على العموم ؛

وقد أطلق الله اسم الإحصان على الأمة فقال تعالى : فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فقال بعضهم : أراد : فإذا أسلمن ، وقال بعضهم : فإذا تزوجن ؛ فكان اعتبار هذا العموم سائغا في إيجاب الحد عليهن .

وقد قال في الآية : والمحصنات من المؤمنات ولم يرد به حصول جميع شرائط الإحصان وإنما أراد به العفائف منهن ، وحرم ذوات الأزواج بقوله : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فكان عموما في تحريم ذوات الأزواج إلا [ ص: 119 ] ما استثناهن ؛ فكذلك قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم لا يمنع ذكر الإحصان فيه من اعتبار عمومه فيمن يقع عليه الاسم من جهة العفاف على ما روي عن السلف . ومن جهة النظر أنه لا خلاف بين الفقهاء في إباحة وطء الأمة الكتابية بملك اليمين ، وكل من جاز وطؤها بملك اليمين جاز وطؤها بملك النكاح على الوجه الذي يجوز عليه نكاح الحرة المنفردة ، ألا ترى أن المسلمة لما جاز وطؤها بملك اليمين جاز وطؤها بالنكاح ، وأن الأخت من الرضاعة وأم المرأة وحليلة الابن وما نكح الآباء لما لم يجز وطؤهن بملك اليمين حرم وطؤهن بالنكاح ؟ فلما اتفق الجميع على جواز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين وجب جواز وطئها بالنكاح على الوجه الذي يجوز فيه وطء الحرة المنفردة .

فإن قيل : قد يجوز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين ولا يجوز بالنكاح كما إذا كانت تحته حرة . قيل له : لم نجعل ما ذكرنا علة لجواز نكاحها في سائر الأحوال ، وإنما جعلناه علة لجواز نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها ألا ترى أن الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين ويجوز نكاحها منفردة ، ولو كانا تحته حرة لما جاز نكاحها لأنه لم يجز نكاحها من طريق جمعها إلى الحرة كما لا يجوز نكاحها لو كانت أختها تحته وهي أمة ؟ فعلتنا صحيحة مستمرة جارية في معلولاتها غير لازم عليها ما ذكرت ؛ إذ كانت منصوبة لجواز نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها ؛ وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية