الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الأول في فضيلة الأوراد وترتيبها وأحكامها

الباب الأول .

في فضيلة الأوراد وترتيبها وأحكامها .

فضيلة الأوراد .

وبيان أن المواظبة عليها هي الطريق إلى الله تعالى .

اعلم أن الناظرين بنور البصيرة علموا أنه لا نجاة إلا في لقاء الله تعالى وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محبا لله تعالى وعارفا بالله سبحانه .

وأن المحبة والأنس لا تحصل إلا من دوام ذكر المحبوب والمواظبة عليه وأن المعرفة به لا تحصل إلا بدوام الفكر فيه وفي صفاته وأفعاله وليس في الوجود سوى الله تعالى وأفعاله ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقدر البلغة والضرورة وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار والنفس لما جبلت عليه من السآمة والملال لا تصبر على فن واحد من الأسباب المعينة على الذكر والفكر ، بل إذا ردت إلى نمط واحد أظهرت الملال والاستثقال وإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا فمن ضرورة اللطف بها أن تروح بالتنقل من فن إلى فن ومن نوع إلى نوع بحسب كل وقت لتغزر بالانتقال لذتها وتعظم باللذة رغبتها ، وتدوم بدوام الرغبة مواظبتها فلذلك تقسم الأوراد قسمة مختلفة فالذكر والفكر ينبغي أن يستغرقا جميع الأوقات أو أكثرها فإن النفس بطبعها مائلة إلى ملاذ الدنيا فإن صرف العبد شطر أوقاته إلى تدبيرات الدنيا وشهواتها المباحة مثلا والشطر الآخر إلى العبادات رجح جانب الميل إلى الدنيا لموافقتها الطبع إذ يكون الوقت متساويا فأنى يتقاومان والطبع لأحدهما مرجح إذ الظاهر والباطن يتساعدان على أمور الدنيا ويصفو في طلبها القلب ويتجرد وأما الرد إلى العبادات فمتكلف ولا يسلم إخلاص القلب فيه وحضوره إلا في بعض الأوقات

التالي السابق


* ( الباب الأول) *

( في فضيلة الأوراد وترتيبها وأحكامها) وما يتعلق بها ( وبيان المواظبة عليها وهو الطريق) الموصل ( إلى الله عز وجل) وفي نسخة: هي الطريق إلى الله تعالى ( اعلم أن الناظرين بنور البصيرة) وهي قوة للقلب المنور بنور القدس ترى حقيقة الأشياء وظاهرها ( علموا أنه لا نجاة) للعبد ( إلا في لقاء الله عز وجل) إذ هو المطلوب الأهم ( وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد) حالة كونه ( محبا لله تعالى) وعلامة محبته لله تعالى محبته لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلامة محبته -صلى الله عليه وسلم- محبة سنته واتباع آثاره، فمن أنس باتباع السنن المحمدية رجي له فتح باب محبة مشرعها، ومنه يفوز إلى حب الله تعالى ( وعارفا بالله تعالى) معرفة أكسبته تلك المحبة وقارها، ونبهته على ما خفي من أسرارها .

( وإن المحبة والأنس) بالله تعالى ( لا يحصل إلا من دوام ذكر المحبوب والمواظبة على ذلك) بربط القلب عليه، بحيث لا ينتقل عنه ولا يحيد، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره ( وإن المعرفة لا تحصل إلا بدوام الفكر فيه) أي: في المحبوب ( وفي صفاته وأفعاله) بحثا فيها؛ طلبا للوصول إلى حقائقها ( وليس في الوجود سوى الله -عز وجل- وأفعاله) فلا يشاركه أحد في أفعاله، كما لا يشبهه شيء في ذاته وصفاتها ( ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا وشهواتها) لأنهما ينشآن عن التفرغ، وما دام العبد مشتبكا بلذات الدنيا فلا يمكنه أن يفرغ قلبه لذكر ولا لفكر ( والاجتزاء) أي: الاكتفاء ( منها بقدر البلغة والضرورة) أي: بقدر ما يتبلغ به ويضطر إليه .

[ ص: 122 ] وسائر أمور الدنيا دائرة على الأكل والشرب والنكاح واللباس والمسكن والخادم والدابة، ولكل من ذلك حدود معلومة، فيكفيك من الغذاء ما تهرم بتركه القوى، ومن الحلائل الولود الودود، ومن الملبس ما لا يسفهك به العاقل ولا يزدريك به الغافل، ومن المسكن ما واراك عمن لا تريد أن يراك، ومن الخدم الأمين المطيع، ومن المركب ما حمل رحلك، وأزاح رجلك، ولا يزدرى بركوبه مثلك .

فالتجرد عن العلائق شرط في الوصول إلى معرفة الحق، انظر إلى المرآة، تجردت عن جميع الصور، فأشهدت كل ذي صورة ما يراه من صورته وما لا يرى، هكذا الرجل المجرد من علائق جميع العوالم، وجهه الناطق مرآة الحقائق، ما قابلها ذو صورة إلا رأى وجه حقيقته .

( وكل ذلك) أي: مما ذكر ( لا يتم) حصوله ( إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار) بحيث يكون كل وقت من تلك الأوقات معمورا، إما بذكر أو بفكر ( و) لكن ( النفس لما) أي: لأجل ما ( جبلت عليه من السآمة والملل) في الأفعال والأحوال ( لا تصبر على فن) أي: نوع ( واحد من الأسباب المعينة على) كل من ( الذكر والفكر، بل إذا دامت على) وفي نسخة: إذا ردت إلى ( نمط واحد) أي: نوع واحد، وفي ذكر الفن والنمط تفنن في العبارة ( ظهر الملل) والسآمة والكسل ( والاستثقال) وأدى ذلك إلى الهجران والإبطال .

( وإن الله -عز وجل- لا يمل حتى تملوا) رواه البخاري في الصحيح في أثناء حديث: "عليكم من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا" وقد تقدم الكلام عليه في كتاب العلم ( فمن ضرورة اللطف بها أن تروح) أي: تنشط ( بالتنقل من فن إلى فن ومن نوع إلى نوع) وذلك النوع الآخر الذي انتقلت إليه غير الذي انتقلت منه ( بحسب كل وقت) وما يناسبه ويليق به ( لتغزز) أي: تكثر ( بالانتقال) المذكور ( لذتها) الحاصلة من إقبال القلب على ذلك العمل ( وتعظم باللذة) المذكورة ( رغبتها، وتدوم بدوام الرغبة الحاصلة من تلك اللذة مواظبتها) عليه ومداومتها له ( فلذلك تقسم الأوراد قسمة مختلفة) وقد مر في آخر كتاب أسرار الصلاة شيء من ذلك .

( والذكر والفكر ينبغي أن يستغرقا جميع الأوقات) من الليل والنهار ( أو أكثرها) ولا أقل من ذلك ( فإن النفس بطبعها) الذي ( جبلت عليه مائلة إلى ملاذ الدنيا) وشهواتها ( فإن صرف العبد شطر أوقاته) أي: جزءا منها ( إلى تدبيرات الدنيا) أي: الأمور المهمة منها ( وشهواتها المباحة مثلا) وهي التي أباح له الشارع التصرف فيها ( و) صرف ( الشطر الآخر إلى العبادات أرجح جانب الميل إلى الدنيا) ولذاتها، أي: صار راجحا ( بموافقتها الطبع) الذي جبلت هي عليه ( إذ يكون الوقت متساويا) هما شطران ( فأنى يتقاومان) وكيف يتعادلان ( والطبع لأحدهما مرجح) ولا يثبت التقاوم إلا عند عدم المرجح ( إذ الظاهر والباطن) كل منهما ( يساعد على) تحصيل ( أمور الدنيا) كيفما اتفق وأمكن ( ويصفو في طلبها القلب) بميله وتقلبه ( ويتجرد) وفي بعض النسخ: ويصفو في ذلك طلب القلب، ويتجرد، أي: يهتم اهتماما كليا .

( وأما الرد إلى العبادات) العملية والقولية ( فمتكلف) أي: يحصل فيه تكلف ومشقة ( ولا يسلم إخلاص القلب فيها) وإمحاضه ( وحضوره) بكليته ( إلا في بعض الأوقات) على سبيل الندرة والقلة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث