الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                        يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين

                                                                                                                                                                                                                                        [ ص: 455 ] (109) يخبر تعالى عن يوم القيامة وما فيه من الأهوال العظام، وأن الله يجمع به جميع الرسل فيسألهم: ماذا أجبتم أي: ماذا أجابتكم به أممكم.

                                                                                                                                                                                                                                        ف قالوا لا علم لنا وإنما العلم لك يا ربنا، فأنت أعلم منا. إنك أنت علام الغيوب أي: تعلم الأمور الغائبة والحاضرة.

                                                                                                                                                                                                                                        (110) إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك أي: اذكرها بقلبك ولسانك، وقم بواجبها شكرا لربك، حيث أنعم عليك نعما ما أنعم بها على غيرك.

                                                                                                                                                                                                                                        إذ أيدتك بروح القدس أي: إذ قويتك بالروح والوحي، الذي طهرك وزكاك، وصار لك قوة على القيام بأمر الله والدعوة إلى سبيله. وقيل: إن المراد "بروح القدس" جبريل عليه السلام، وأن الله أعانه به وبملازمته له، وتثبيته في المواطن المشقة.

                                                                                                                                                                                                                                        تكلم الناس في المهد وكهلا المراد بالتكليم هنا، غير التكليم المعهود الذي هو مجرد الكلام، وإنما المراد بذلك التكليم الذي ينتفع به المتكلم والمخاطب، وهو الدعوة إلى الله.

                                                                                                                                                                                                                                        ولعيسى عليه السلام من ذلك، ما لإخوانه من أولي العزم من المرسلين، من التكليم في حال الكهولة، بالرسالة والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، وامتاز عنهم بأنه كلم الناس في المهد، فقال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا... الآيات.

                                                                                                                                                                                                                                        وإذ علمتك الكتاب والحكمة فالكتاب يشمل الكتب السابقة وخصوصا التوراة فإنه من أعلم أنبياء بني إسرائيل -بعد موسى- بها ويشمل الإنجيل الذي أنزله الله عليه.

                                                                                                                                                                                                                                        والحكمة هي معرفة أسرار الشرع وفوائده وحكمه وحسن الدعوة والتعليم ومراعاة ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي.

                                                                                                                                                                                                                                        وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير أي: طيرا مصورا لا روح فيه فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وتبرئ الأكمه الذي لا بصر له ولا عين والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني فهذه آيات بينات ومعجزات باهرات يعجز عنها الأطباء وغيرهم أيد الله بها عيسى وقوى بها دعوته وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم لما جاءهم الحق مؤيدا بالبينات الموجبة للإيمان به إن هذا إلا سحر مبين وهموا بعيسى أن يقتلوه وسعوا في ذلك فكف الله أيديهم عنه وحفظه منهم وعصمه.

                                                                                                                                                                                                                                        فهذه منن امتن الله بها على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ودعاه إلى شكرها [ ص: 456 ] والقيام بها فقام بها عليه الصلاة والسلام أتم القيام وصبر كما صبر إخوانه من أولي العزم.

                                                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية