الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولا تستوي الحسنة ولا السيئة جملة مستأنفة سيقت لبيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد والرب عز وجل ترغيبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر على أذية المشركين ومقابلة إساءتهم بالإحسان ، والحكم عام أي لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة في الآثار والأحكام ، ولا الثانية مزيدة لتأكيد النفي مثلها في قوله تعالى : ولا الظل ولا الحرور [فاطر : 21] لأن استوى لا يكتفي بمفرد وقوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن استئناف مبين لحسن عاقبة الحسنة أي ادفع السيئة حيث اعترضتك من بعض أعاديك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات كالإحسان إلى من أساء فإنه أحسن من مجرد العفو فأحسن على ظاهره والمفضل عليه عام ولذا حذف كما في الله تعالى أكبر ، وإخراجه مخرج الجواب عن سؤال من قال : كيف أصنع ؟ للمبالغة والإشارة إلى أنه مهم ينبغي الاعتناء به والسؤال عنه ، وللمبالغة أيضا وضع ( أحسن ) موضع الحسنة لأن من دفع بالأحسن هان عليه الدفع بما دونه ، ومما ذكرنا يعلم أن ليس المراد بالحسنة والسيئة أمرين معينين .

                                                                                                                                                                                                                                      وعن علي كرم الله تعالى وجهه الحسنة حب الرسول وآله عليهم الصلاة والسلام والسيئة بغضهم ، وعن ابن عباس الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك ، وقال الكلبي : الدعوتان إليهما ، وقال الضحاك : الحلم والفحش ، وقيل : الصبر ، وقيل : المدارة والغلظة ، وقيل غير ذلك ، ولا يخفى أن بعض المروي يكاد لا تصح إرادته هنا فلعله لم يثبت عمن روي عنه ، وجوز أن يكون المراد بيان تفاوت الحسنات والسيئات في أنفسهما بمعنى أن الحسنات تتفاوت إلى حسن وأحسن والسيئات كذلك فتعريف الحسنة والسيئة للجنس ولا الثانية ليست مزيدة وأفعل على ظاهره ، والكلام في ادفع .. إلخ على معنى الفاء أي إذا كان كل من الجنسين متفاوت الأفراد في نفسه فادفع بأحسن الحسنتين السيئ والأسوأ ، وترك الفاء للاستئناف الذي ذكرنا وهو أقوى الوصلين ولعل الأول أقرب فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم بيان لنتيجة الدفع المأمور به أي فإذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق . قال ابن عطية : دخلت ( كأن ) المفيدة للتشبيه لأن العدو لا يعود وليا حميما بالدفع بالتي هي أحسن وإنما يحسن ظاهره فيشبه بذلك الولي الحميم ولعل ذلك من باب الاكتفاء بأقل اللازم وهذا بالنظر إلى الغالب وإلا فقد تزول العداوة بالكلية بذلك كما قيل :


                                                                                                                                                                                                                                      إن العداوة تستحيل مودة بتدارك الهفوات بالحسنات



                                                                                                                                                                                                                                      و الذي بينك وبينه عداوة أبلغ من عدوك ولذا اختير عليه مع اختصاره ، والآية قيل : نزلت في أبي سفيان بن حرب كان عدوا مبينا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فصار عند أهل السنة وليا مصافيا وكأن ما عنده انتقل إلى ولد ولده يزيد عليه من الله عز وجل ما يستحق

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية