الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني في معرفة نواقض هذه الطهارة

الباب الثاني

في معرفة نواقض هذه الطهارة .

والأصل في هذا الباب قوله تعالى : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) وقوله : ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ) الآية .

واتفق العلماء على وجوب هذه الطهارة من حدثين :

[ 1 - خروج المني ]

أحدهما : خروج المني على وجه الصحة في النوم أو اليقظة من ذكر كان أو أنثى ، إلا ما روي عن النخعي من أنه كان لا يرى على المرأة غسلا من الاحتلام ، وإنما اتفق الجمهور على مساواة المرأة في الاحتلام للرجل لحديث أم سلمة الثابت أنها قالت : " يا رسول الله المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل هل عليها غسل ؟ قال : نعم إذا رأت الماء " .

[ 2 - الحيض ]

وأما الحديث الثاني الذي اتفقوا عليه ، فهو دم الحيض ، ( أعني : إذا انقطع ) وذلك أيضا لقوله تعالى : ( ويسألونك عن المحيض ) الآية ، ولتعليمه الغسل من الحيض لعائشة ، وغيرها من النساء .

واختلفوا في هذا الباب مما يجري مجرى الأصول في مسألتين مشهورتين .

المسألة الأولى

[ 3 - الوطء ]

اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في سبب إيجاب الطهر من الوطء ، فمنهم من رأى الطهر واجبا في التقاء الختانين أنزل أم لم ينزل ، وعليه أكثر فقهاء الأمصار مالك وأصحابه ، والشافعي وأصحابه ، وجماعة من أهل الظاهر ، وذهب قوم من أهل الظاهر إلى إيجاب الطهر مع الإنزال فقط والسبب في اختلافهم في ذلك تعارض الأحاديث في ذلك ; لأنه ورد في ذلك حديثان ثابتان اتفق أهل الصحيح على تخريجهما .

( قال القاضي - رضي الله عنه - : ومتى قلت : ثابت ، فإنما أعني به ما أخرجه البخاري أو مسلم ، أو ما اجتمعا عليه ) .

أحدهما : حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : " إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق [ ص: 44 ] الختان بالختان فقد وجب الغسل " والحديث الثاني : حديث عثمان أنه سئل فقيل له : " أرأيت الرجل إذا جامع أهله ولم يمن ؟ قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة سمعته من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم " فذهب العلماء في هذين الحديثين مذهبين : أحدهما : مذهب النسخ ، والثاني مذهب الرجوع إلى ما عليه الاتفاق عند التعارض الذي لا يمكن الجمع فيه ولا الترجيح .

فالجمهور رأوا أن حديث أبي هريرة ناسخ لحديث عثمان ، ومن الحجة لهم على ذلك ما روي عن أبي بن كعب أنه قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل ذلك رخصة في أول الإسلام ، ثم أمر بالغسل ، خرجه أبو داود .

وأما من رأى أن التعارض بين هذين الحديثين هو مما لا يمكن الجمع فيه بينهما ولا الترجيح فوجب الرجوع عنده إلى ما عليه الاتفاق ، وهو وجوب الماء من الماء ، وقد رجح الجمهور حديث أبي هريرة من جهة القياس ، قالوا : وذلك أنه لما وقع الإجماع على أن مجاوزة الختانين توجب الحد وجب أن يكون هو الموجب للغسل ، وحكموا أن هذا القياس مأخوذ عن الخلفاء الأربعة ، ورجح الجمهور ذلك أيضا من حديث عائشة لإخبارها ذلك عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . خرجه مسلم .

المسألة الثانية

[ صفة المني الموجبة للغسل ]

اختلف العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المني موجبا للطهر .

فذهب مالك إلى اعتبار اللذة في ذلك . وذهب الشافعي إلى أن نفس خروجه هو الموجب للطهر سواء خرج بلذة أو بغير لذة .

وسبب اختلافهم في ذلك هو شيئان : أحدهما هل اسم الجنب ينطلق على الذي أجنب على الجهة الغير المعتادة أم ليس ينطلق عليه ؟ فمن رأى أنه إنما ينطلق على الذي أجنب على طريق العادة ، لم يوجب الطهر في خروجه من غير لذة ، ومن رأى أنه ينطلق على خروج المني كيفما خرج أوجب منه الطهر وإن لم يخرج مع لذة .

والسبب الثاني : تشبيه خروجه بغير لذة بدم الاستحاضة .

واختلافهم في خروج الدم على جهة الاستحاضة هل يوجب طهرا ، أم ليس يوجبه ؟ فسنذكره في باب الحيض وإن كان من هذا الباب .

وفي المذهب في هذا الباب فرع ، وهو إذا انتقل من أصل مجاريه بلذة ، ثم خرج في وقت آخر بغير لذة مثل أن يخرج من المجامع بعد أن يتطهر ، فقيل يعيد الطهر ، وقيل لا يعيده ، وذلك أن هذا النوع من الخروج صحبته اللذة في بعض نقلته ، ولم تصحبه في بعض ، فمن غلب حال اللذة قال : يجب الطهر ، ومن غلب حال عدم اللذة قال : لا يجب عليه الطهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث