الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا

                                                          * * * [ ص: 1684 ] في الآيات السابقة بين سبحانه وتعالى وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، سواء أكانت هذه العبادة في التكليفات التي خصصت للعبادة ذاتها، أم كانت من المعاملات بين الناس التي لا بد من نية القربة فيها فالإنفاق لا بد أن يخلص لله تعالى، كالصلاة لا بد أن تكون خالصة لله فالنية في الأقوال والأفعال أساس الجزاء من عقاب وثواب.

                                                          وفي هذه الآية الكريمة بين الجزاء الأوفى من خير أو شر، وأن الشر لا يجازى إلا بمثله، وأن الحسنة تكون بأضعافها ولذا قال سبحانه:

                                                          إن الله لا يظلم مثقال ذرة المثقال - معناه المقدار الذي له ثقل يحتمل أن يوزن، والذرة الغبار الذي لا يرى في أكثر الأحوال، والمعنى اللفظي أن الله لا ينقص عاملا حقا وزن ذرة، وهي لا تعلي الميزان ولا تخفضه، إلا أن يكون ميزانا دقيقا جدا، وهذا النوع من الموازين لا يوجد في الدنيا، ولكن يوجد في الآخرة، فعندئذ تكون الموازين القسط التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا قومتها. ومعنى النص في مرماه أن الله سبحانه وتعالى، لا ينقص أحدا من ثواب عمله أي مقدار ولو ضؤل، فهذا الكلام فيه استعارة مؤداها أنه لا ينقص عمل عامل، لقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

                                                          وإن النص عام يشمل المؤمن وغير المؤمن في ظاهره، ولذا تكلم العلماء في أعمال الخير التي تقع من الكافر إذا قصد بها وجه الله تعالى مع كفره وضلاله، وقال الأكثرون: إن الله لا يغفر الشرك، ويعطي الكافر ثواب الخير في الدنيا، أما المسلم فيؤتيه ثواب الخير في الدنيا والآخرة، واستندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى بها إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها". [ ص: 1685 ] وإن ذلك نظر حسن يفسره ما نراه للكافرين من نعم مادية في الدنيا تجري عليهم، فلعلها ثمرة لما عملوا من بعض الخيرات في التعاون الإنساني، وثمرة لاتخاذهم أسباب الرزق على وجه كامل.

                                                          ويميل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إلى أن الكافر إن عمل خيرا يقصد به وجه الله أو سبيل الخير المجردة، لا يضيعه الله تعالى عليه يوم القيامة، ولكن ينقصه من سيئاته، غير الكفر والإشراك، فإن هذين لا يكفرهما شيء. ويؤيد نظره هذا بأن الآثار قد وردت بأنه يخفف عن أبي طالب لكفالته النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحمايته له، وقد كان في ذلك حماية للدولة الإسلامية.

                                                          وقد روي أيضا أنه يخفف عن أبي لهب لعتقه ثويبة حين بشرت بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأبو لهب هذا هو الذي قال الله تعالى فيه وفي امرأته: تبت يدا أبي لهب وتب إلى قوله: وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد

                                                          فحسنات الكفار تكفر السيئات التي دون الشرك والكفر، على هذا النظر، فالكفر لا يغفر، ويذهب من السيئات الأخرى بمقدار الحسنات، ونحن لا نرى في ذلك خروجا عن حكم الإسلام، وهو معقول في ذاته يتفق مع عموم النصوص، وإن كنا نميل إلى الأول. [ ص: 1686 ] وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وإن الله سبحانه وتعالى عفو غفور رحيم بعباده، لا يكتفي بمنع الظلم عمن يحسن، بل إنه يضاعف الأجر لمن يحسن، و"تك" أصلها "تكن" حذفت النون، و"كان" هنا ناقصة، والمعنى: وإن تكن الفعلة حسنة تكون مضاعفة، ومعنى يضاعفها أي يكون بدلها أمثالا كثيرة لها. وقد قيل: إن الفرق بين المضاعفة والتضعيف أن المضاعفة تكون بأضعاف كثيرة، والتضعيف يكون بضعفين اثنين، والمؤدى أن الحسنة تكون بأمثال كثيرة لها كقوله تعالى:

                                                          من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة وقوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون فالله سبحانه وتعالى لا ينقص من عمل الخير شيئا بل يضاعفه في الآخرة، وإن الله سبحانه وتعالى فوق هذا الجزاء المضاعف أضعافا كثيرة يزيد المحسن من عطائه، ولذا قال سبحانه: ويؤت من لدنه أجرا عظيما أي أن الله تعالى يعطي عطاء كثيرا، غير ملاحظ فيه المثلية والمضاعفة، بل إنه سبحانه فوق مضاعفة الحسنة بأمثالها، يعطي عطاء سمحا غير مقيد بالمضاعفة، بل إنه يكون سماحا، وكرما من الله تعالى. وسمى ذلك العطاء أجرا، وهو في الحقيقة ليس في مقابل عمل; لأن مقابلة العمل كانت بالأمثال السابقة; لأن الأجر قد يطلق على مطلق العطاء، وإن لم يكن له مقابل، وتفضل الله تعالى في كرمه فسماه أجرا، وإن لم يكن له نظير، فهو أجر غير ممنون.

                                                          وقد عظم الله سبحانه وتعالى ذلك العطاء غير الممنون بوصفين.

                                                          أحدهما: أنه عظيم في ذاته ذو جلال وشأن، فهو رضوان الله تعالى، ونعيم مقيم، وجنات فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

                                                          والثاني: أنه عطاء من لدن الله تعالى، فهو قد نال شرفا إضافيا بأنه من الله تعالى. [ ص: 1687 ] وكانت عظمة العطاء على ذلك الوجه ليقدم المؤمن على العمل الصالح.

                                                          وقد بين الله سبحانه وتعالى أن كل ما يكون يوم القيامة من حساب، أدلته ثابتة من نطق الجوارح بما صنعت، ومن شهادة الأنبياء بالتبليغ والبيان، فالجرائم معها دليل وقوعها، والقانون الذي نظم العقاب وجرمها قائم بشهادة الذين أعلنوه وبينوه، ولذا قال تعالى:

                                                          * * *

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية