الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
[ درس ] ( باب ) ذكر فيه حد الزنا وأحكامه وهو بالقصر لغة أهل الحجاز وبالمد لغة أهل نجد والنسبة للمقصور زنوي وللممدود زنائي ، فقال ( الزنا ) شرعا وهو ما فيه الحد الآتي بيانه ( وطء مكلف ) حرا أو عبدا ( مسلم ) وإضافة وطء لمكلف من إضافة المصدر لفاعله ويراد بالفاعل من تعلق به الفعل فيشمل الواطئ والموطوء فيشترط في كل التكليف والإسلام فلا يحد صبي ولا مجنون ولا كافر إذ وطؤهم لا يسمى زنا شرعا ، والوطء تغييب الحشفة أو قدرها ولو بحائل خفيف لا يمنع اللذة وبغير انتشار ( فرج آدمي ) قبلا أو دبرا لا غير فرج كبين فخذين ولا فرج بهيمة ولا جني إن تصور بصورة غير آدمي ( لا ملك له ) أي للواطئ ( فيه ) أي في الفرج أي لا تسلط له عليه شرعا فالمملوك الذكر لا تسلط له عليه شرعا من جهة الوطء ( باتفاق ) من الأئمة لا أهل المذهب فقط فخرج النكاح المختلف فيه فلا يسمى زنا ، ولو قال بدله بلا شبهة لكان أحسن لإخراج وطء حليلته بدبرها وأمة الشركة والقراض والمبعضة ( تعمدا ) خرج به الغالط والجاهل والناسي كمن نسي طلاقها [ ص: 314 ] وبالغ على وطء المكلف بقوله ( وإن ) كان وطء المكلف المسلم فرج الآدمي ( لواطا ) أي إدخاله الحشفة في دبر ذكر فيسمى زنا شرعا وفيه الحد الآتي ذكره ( أو ) كان ( إتيان أجنبية بدبر ) وأما حليلته من زوجة أو أمة فلا يحد بل يؤدب ( أو ) كان ( إتيان ميتة ) في قبلها أو دبرها حال كونها أو كونه ( غير زوج ) فيحد بخلاف لو كانت زوجا ، وإتيان النائمة أو المجنونة أولى بالحد من الميتة ( أو ) إتيان ( صغيرة يمكن وطؤها ) عادة لواطئها في قبلها أو دبرها فيحد الواطئ لها ، وإن كانت غير مكلفة لصدق حد الزنا عليه دونها كالنائمة والمجنونة ( أو ) إتيان حرة أو أمة ( مستأجرة ) أجرت نفسها أو أجرها وليها أو سيدها ( لوطء أو غيره ) كخدمة فيحد واطئها المستأجر ولا يكون الاستئجار شبهة تدرأ عنه الحد إلا إذا أجرها سيدها للوطء فلا يحد نظرا لقول عطاء ( أو ) إتيان ( مملوكة ) له بشراء مثلا ( تعتق ) عليه بنفس الملك كبنت وأخت فيحد إن علم بالتحريم وشمل قوله : تعتق ما إذا اشتراها على أنها حرة بنفس الشراء ( أو ) إتيان من ( يعلم حريتها ) وحرمتها عليه فيحد وسواء علم بحريتها بعد أن اشتراها أو حال اشترائها ، وكذا إن وطئها وهو عالم بأنها ملك للغير واختلف في حدها هي إذا كانت عالمة بحريتها وطاعت به ( أو ) إتيان ( محرمة بصهر مؤبد ) بنكاح [ ص: 315 ] كمن تزوج امرأة بعد العقد على بنتها أو كانت زوجة لأبيه أو ابنه فيحد بخلاف لو وطئها بملك وهي لا تعتق عليه فلا يحد كما يأتي ( أو ) إتيان ( خامسة ) علم بتحريمها ولا التفات لمن زعم جوازها من الخوارج ( أو مرهونة ) بغير إذن الراهن وإلا لم يحد كما تقدم في بابه ( أو ) إتيان أمة ( ذات مغنم ) قبل القسم حيزت أم لا بناء على أنها لا تملك الغنيمة إلا بالقسم ( أو حربية ) ببلاد الحرب أو دخلت عندنا بأمان ، وأما لو خرج هو بها من بلاد الحرب أو دخلت عندنا بلا أمان فحازها فقد ملكها ( أو ) إتيان ( مبتوتة ) له ( وإن ) وطئها ( بعدة ) أي في عدتها منه بنكاح وأولى بلا نكاح أو بعد العدة .

التالي السابق


( باب ذكر فيه حد الزنا ) .

( قوله : وهو بالقصر لغة أهل الحجاز ) وبه جاء القرآن وعليه فيكتب بالياء لانقلاب الألف عنها .

( قوله : وبالمد لغة أهل نجد ) أي وهم تميم وعليه فيكتب بالألف ولكون الزنا يمد ويقصر جعل يا ابن المقصور والممدود من صيغ القذف .

( قوله : الزنا شرعا ) خرج الزنا الذي لا حد فيه كالنكاح بدون ولي ومن لاط بنفسه ووطء الصبي والمجنون فإن كل هذا ، وإن كان زنا في اللغة لكن لا يسمى زنا شرعا وكل هذه خارجة من المصنف بذكر الشروط وحين إذ كان لا يسمى ما ذكرنا شرعا فلا يعترض على المصنف بذكر الشروط بحيث يقال : إن المصنف ذكر أمرا عاما وهو الزنا ثم بينه بخاص .

وحاصل الجواب أن المصنف لم يذكر أمرا عاما بل خاصا بقرينة ذكر الشروط فذكرها قرينة على أن أل في الزنا للعهد العلمي أي الزنا المعهود عند أهل الشرع .

( قوله : وهو ما فيه الحد الآتي ) أي أعم من كونه رجما أو جلدا .

( قوله : مكلف ) أي ولو سكران حيث أدخل السكر على نفسه ، وإلا فكالمجنون ( قوله : ولا كافر ) أي سواء وطئ كافرة أو مسلمة ، وإن كانت المسلمة تحد ; لأنه يصدق عليها وطء مسلم كما أنها تحد إذا مكنت مجنونا أو أدخلت ذكر نائم في فرجها ، ورجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهوديين حكم بينهم بما في التوراة لعدم دخولهم إذ ذاك تحت الذمة .

( قوله : فرج آدمي ) أي غير خنثى مشكل فلا حد على واطئه في قبله ; لأنه كثقبة ، فإن وطئ في دبره فالظاهر أنه يقدر أنثى فيكون فيه الجلد كإتيان أجنبية بدبر ولا يقدر ذكرا ملوطا به بحيث يكون فيه الرجم ولا حد عليه إن وطئ هو غيره للشبهة إذ ليس ذكرا محققا ، إلا أن يمني فلا إشكال .

( قوله : قبلا أو دبرا ) أي لأن المراد بالزنا هنا ما يعم اللواط ( كقوله كبين فخذين ) أي أو في هوى الفرج وكما خرج ما ذكر بقوله فرج آدمي خرج أيضا من لاط بنفسه فلا حد عليه ووجه خروجه به أن " آدمي " نكرة " ومكلف " نكرة والنكرة بعد النكرة غيرها .

( قوله : إن تصور بصورة غير آدمي ) أي وأولى إن لم يتصور بصورة شيء لأن ذلك مجرد تخيل ، وأما إذا تصور بصورة الآدمي كان وطؤه زنا شرعا ويحد الواطئ ، وكذا يقال في وطء الجني لآدمي ( قوله : شرعا ) أي من حيث ذاتها خرج بذلك من حرم وطؤها لعارض كحيض ونحوه فإن وطأها لا يسمى زنا شرعا ; لأن هذه لزوجها أو سيدها تسلط عليها شرعا من حيث ذاتها لولا العارض ( قوله : لا تسلط له ) أي للمالك عليه من جهة الوطء وحينئذ فإذا وطئ مملوكه الذكر حد حد اللواط لا حد الزنا .

( قوله : باتفاق ) راجع للنفي أي انتفى تسلطه عليه شرعا باتفاق العلماء ( قوله : فخرج النكاح المختلف فيه ) أي كبلا ولي فإذا وطئ فيه فلا يسمى زنا شرعا فلا حد فيه وخرج أيضا وطء الرجل أمته وزوجته بدبرها فإن فيه قولا بالإباحة ، وإن كان شاذا أو ضعيفا فلا حد فيه ويؤدب .

( قوله : لكان أحسن ) أي لأنه أعم تأمل .

( قوله : وطء حليلته ) أي زوجته أو أمته ( قوله : خرج به الغالط ) أي وهو من قصد زوجته فوقع على غيرها غلطا ( قوله : والجاهل ) [ ص: 314 ] أي جاهل العين وجاهل الحكم فالأول من يعتقد أنها زوجته أو أمته ثم تبين له أنها أجنبية ، وجاهل الحكم من يعتقد وطء حل الأجانب لكونه حديث عهد بالإسلام وهو طارئ من بلاد بعيدة عن بلاد الإسلام ولا يخفى أن الغالط هو عين جاهل العين فأحدهما مكرر مع الآخر فإما أن يقصر الجاهل على جاهل الحكم وإما أن يحمل الغالط على الشاك لما يأتي من أن من وطئ امرأة شاكا في كونها زوجته فتبين أنها أجنبية فإنه لا حد عليه وكما خرج من ذكر بقوله تعمدا خرج أيضا المكره على القول بأنه لا حد عليه كما يأتي .

( قوله : وبالغ إلخ ) قال المسناوي : لو حذف المصنف هذه المبالغة كان أولى لأنها تقتضي اشتراط الإسلام في حد اللواط الذي هو الرجم وليس كذلك كما يأتي والقول بأنه مبالغة فيما قبل قوله مسلم بعيد ا هـ بن .

والحاصل أن المشترط في حد اللواط وهو الرجم بالنسبة للفاعل تكليفه وأما بالنسبة للمفعول فتكليفه وتكليف الفاعل معا وأما الإسلام فلا يشترط في واحد منهما كما يأتي في قول المصنف ، وإن عبدين أو كافرين .

( قوله : وإن لواطا ) أي لأن الفرج يشمل الدبر .

( قوله : فيسمى زنا شرعا وفيه الحد ) أي خلافا لمن قال ليس فيه ، إلا الأدب كالمساحقة وفاقا لأبي حنيفة وداود وقد أفاد المصنف بالمبالغة الرد على من ذكروا أنه يقال له زنا لكن بالمعنى الأعم وقد يقابل به .

( قوله : فلا يحد بل يؤدب ) أي لأن له التسلط على دبرها شرعا عند بعضهم ، وإن كان قولا شاذا .

( قوله : بخلاف لو كانت زوجا ) أي وبخلاف إدخال امرأة ذكر ميت غير زوج في فرجها فلا تحد فيما يظهر لعدم اللذة كالصبي .

( قوله : يمكن وطؤها عادة لواطئها ) أي وإن لم يكن لغيره وأما ما لا يمكن وطؤها إذا وطئها المكلف فلا حد عليه .

( قوله : ولا يكون الاستئجار شبهة إلخ ) أي سواء كان الاستئجار من نفسها حرة أو أمة أو من ولي الحرة للوطء أو للخدمة أو من سيد الأمة للخدمة وقال أبو حنيفة لا حد في وطء المستأجرة للوطء ; لأن الإجارة عنده عقد شبهة يدرأ الحد ، وإن حرم عنده الإقدام على ذلك العقد وبذلك يندرج في قول المصنف لا ملك له فيه باتفاق ، وإلا لكان خلاف أبي حنيفة شبهة تدرأ عنه الحد .

( قوله : نظرا لقول عطاء ) أي بجواز نكاح الأمة المحللة أي التي أحل سيدها وطأها للواطئ وهو صادق بما إذا كان بعوض وبدونه وحينئذ المستأجرة من سيدها محللة فلا حد فيها ا هـ بن .

( قوله : أو إتيان مملوكة تعتق عليه بنفس الملك ) أي إلا أن يكون مجتهدا يرى أن عتق القرابة إنما يكون بالحكم لا بنفس الملك أو قلد من يرى ذلك ، وإلا فلا حد عليه نقله في التوضيح عن اللخمي وانظر لم لم يدرأ عنه الحد إذا لم يكن مجتهدا ولا مقلدا لمن يرى ذلك مراعاة للقول بذلك ، وقد استشكله ابن مرزوق وكذا المصنف في التوضيح عن شيخه ا هـ بن .

( قوله : أو إتيان من يعلم حريتها ) أي أو إتيان أمة بملك لا بنكاح من يعلم حريتها وحرمتها عليه والحال أنها ممن لا تعتق عليه سواء كانت من أقاربه كعمته وخالته أو أجنبية .

( قوله : فيحد ) أي لأنه وطئ من ليست زوجة ولا مملوكة .

( قوله : وكذا إن وطئها ) أي وكذا يحد إن وطئها بملك والحال أنه يعلم أنها ملك للغير بخلاف ما إذا تزوجها وهو يعلم أنها ملك للغير فلا يحد لاحتمال أن سيدها وكل مزوجها فزوجها فيدرأ الحد بذلك ( قوله : واختلف في حدها هي إلخ ) أي إذا علمت بحرية نفسها دون المشتري على قولين فقيل بعدم حدها لأنها تقول قد أكذب إذا قلت أنا حرة ولا بينة لي فهي معذورة في تمكينها وقيل بحدها نظرا إلى أنه قد يصدقها إذا ادعت الحرية والأول للأبهري والثاني لابن القاسم ( قوله : أو إتيان محرمة بصهر مؤبد بنكاح ) أي ومن باب أولى وطء المحرمة بنسب أو رضاع بنكاح لأنهما لا يكونان ، إلا مؤبدين بخلاف الصهر فاقتصر عليه لأجل تقييده بمؤبد وأما لو وطئ المحرمة بالنسب أو الرضاع [ ص: 315 ] بالملك فلا يحد وإنما يؤدب إذا كان عالما .

وحاصل المسألة أن المحرمة بسبب الرضاع إن وطئها بنكاح حد ، وإن وطئها بملك أدب والمحرمة بالنسب إن كانت ممن تعتق عليه بالملك حد لوطئها بالملك وأولى بالنكاح ، وإن كانت لا تعتق بالملك حد لوطئها بالنكاح لا بالملك فيؤدب فقط وأما المحرمة بسبب الصهارة ، فإن كان تحريمها مؤبدا حد إن وطئها بنكاح لا بملك فيؤدب ، وإن كان تحريمها غير مؤبد فلا حد سواء وطئها بنكاح أو بملك وإنما يؤدب فقط إن وطئها بنكاح .

( قوله : بصهر مؤبد ) أي مؤبد تحريمها ; لأن الذي يتصف بالتأييد نفيا وإثباتا إنما هو التحريم لا الصهارة لأنها متى حصلت لا تكون ، إلا مؤبدة وزاد " مؤبد " لأن تحريم الصهر منه مؤبد ومنه غير مؤبد فالأول كالعقد على البنت فإنه يؤبد تحريم الأم فإذا عقد على الأم ودخل بها حد والثاني كالعقد على الأم فإنه لا يؤبد تحريم البنت فله طلاق الأم قبل مسها والعقد على البنت فإذا عقد على البنت ودخل بها بعد أن عقد على الأم وقبل أن يمسها لم يحد وبعد مسها يحد .

( قوله : بعد العقد على بنتها ) ظاهره سواء دخل بالبنت أم لا وهو ظاهر المدونة في النكاح الثالث ; لأنه نص فيها على الحد وأطلق وفصل اللخمي في باب القذف فقال وكذلك إذا تزوج بأم زوجته ، فإن كان دخل بالبنت حد ، وإلا فلا لاختلاف الناس في العقد على البنت هل يحرم الأم أو بمنزلة العدم لا يحرمها واعتمد ابن عرفة كلام اللخمي منكتا به على ابن الحاجب وشارحيه ا هـ بن ( قوله : بخلاف لو وطئها بملك وهي لا تعتق عليه ) أي كأم زوجته التي هي عمته أو خالته أو أجنبية منه .

( قوله : أو إتيان خامسة ) أي أو وطء خامسة بنكاح .

( قوله : ولا التفات إلخ ) يعني أن القول بحل الخامسة بعقد ضعيف جدا لا أثر له فلا يجعل شبهة تدرأ الحد .

( قوله : وإلا لم يحد ) أي لأنها أمة محللة .

( قوله : أو إتيان أمة ذات مغنم ) أي أو إتيان من له سهم في الغنيمة أمة ذات مغنم .

( قوله : بناء على أنها لا تملك إلخ ) أي بناء على القول بأن الغنيمة لا يملكها الجيش ، إلا بالقسم أي وأما على القول بأن الغنيمة يملكها الجيش بمجرد حصولها فلا يحد ; لأنه شريك وظاهر المصنف حد الواطئ قل الجيش أو كثر وقيده ابن يونس بالجيش العظيم دون السرية اليسيرة فلا يحد اتفاقا ، واقتصر عليه المصنف في توضيحه وقال القلشاني تبعا للخمي الأظهر أن الخلاف في كون الغنيمة تملك بمجرد الحصول أو لا تملك ، إلا بالقسم جار في الجيش الكثير واليسير وهذا كله فيما إذا كان الواطئ له سهم في الغنيمة وأما من لا سهم له فيها فإنه يحد اتفاقا مطلقا قل الجيش أو كثر ( قوله : أو مبتوتة ) أي مطلقة بلفظ البت وكذا بلفظ ثلاثا في مرة أو مرات بدليل المقابل .

( قوله : أو بعد العدة ) أي بنكاح أو بدونه




الخدمات العلمية